|
كلمة نيافة الكردينال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير
رئيس مجلس البطاركة
والأساقفة الكاثوليك في لبنان
بكركي، في 12 تشرين الثاني 2007
أصحاب الغبطة، والسيادة،
الأمهات العامات، والآباء العامون،
الآباء الأجلاّء، أيها الأخوة،
بعد أن نحيّيكم تحيّة التقدير، نستهلّ كلمتنا بتعداد
أسماء الأعضاء الجدد في هذا المجلس الذين حلّوا محلّ الأعضاء الذين انتهت مدة
ولايتهم. والأعضاء الجدد هم:
أ)
الأب
ايلي ماضي، رئيس جمعية الآباء المرسلين اللبنانيين الموارنة، الذي حلّ محلّ الأب
خليل علوان.
ب)
الأرشمندريت
جان فرج، الرئيس العام للرهبانية الباسيلية المخلّصية، الذي حلّ محلّ الأرشمندريت
سليمان أبو زيد.
ج)
الأرشمندريت
سمعان عبد الأحد، رئيس عام الرهبانية الباسيلية الشويرية، الذي حلّ محل الأرشمندريت
بولس نزها.
د)
الأرشمندريت
نجيب طوبجي، رئيس عام الرهبانية الباسيليّة الحلبيّة، الذي حلّ محلّ الأرشمندريت
سيرافيم قصبجي.
هـ)
أعضاء مكتب
مجلس الرئيسات العامات:
* الأم
دانيالاّ حرّوق الرئيسة العامة لجمعية راهبات القلبين الأقدسين ليسوع ومريم، رئيسة
مجلس الرئيسات العامات.
* الأم
تريز روكز، الرئيسة العامة للرهبانية الباسيلية المخلّصية،
* الأم
سهيلة بو سمرا، الرئيسة العامة لأخوات الراعي الصالح،
* الأخت
ياسمين عازار، مشيرة راهبات أم الله في لبنان،
وإنّا نسأل الله أن يوفّق الآباء العامين والأمهات
العامات في ما أسند إليهم وإليهنّ من مهمات، كلّ في رهبانيته الجليلة.
موضوع دورتنا هذه السنة هو "الكنيسة والتمويل" ومواضيع إدارية متنوعّة. وهو موضوع
لا يخلو من صعوبة يقتضي أن تبقى الكنيسة حياله في موقع حذر. لا شكّ في أنّ الكنيسة
في حاجة ماسة إلى
المال
لتنهض بما يمليه عليها موقعها من موجبات لا يمكنها أن تقوم بها دون مال، سواء أكان
ذلك مدارس أو مستشفيات، أو مياتم، أو ما سوى ذلك من مشاريع عامة تؤول إلى خير
الأفراد والجماعات. وهذا واجبها ودعوتها. والكنيسة منذ الأجيال الأولى لنشأتها كانت
ولا تزال تُعنى بالفقراء والمعاقين والمتخلّفين. وعندما جاء السيّد المسيح أحد
الشبان الأغنياء يقول له: "يا معلّم، أيّ صالح أعمل لأنال الحياة الأبديّة؟ فأجاب
السيد المسيح: "احفظ الوصايا" وعدّدها له. فأجاب الشاب: قد حفظتها منذ صباي، فقال
له المعلّم الإلهي: إن شئت أن تكون كاملاً فاذهب وبع ما تملك وأعطٍ الفقراء، فيكون
لك كنـز في السماء، وتعالَ اتبعني" (متى
19/16-22) ويأتي بعد حادثة الشاب الغني، على التوّ قول السيد المسيح في خطر الغنى فيقول:
"يصعب على الغني أن يدخل ملكوت الله". وقد تفهّم بعض القديسين ما في التعلّق بالمال
والغنى من مخاطر، ومن بينهم القديس جان بوسكو الذي كان في آخر النهار يلقي من
الشبّاك
ما فضل لديه من دراهم، تدليلاً على الاتكال على عناية الله، التي توفّر لطير السماء
طعامها، على ما جاء في إنجيل القديس متى على لسان المعلم الإلهي: "انظروا إلى طيور
السماء، فهي لا تزرع، ولا تحصد، ولا تخزن في الأهراء، وأبوكم السماويّ يقوتها".
ويضيف: "ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟" (متى
26/6).
أجل لا بدّ من المال لقيام الحياة اليوميّة. ولكن
التمسّك به وتكديسه محبة به، يشكّل خطرًا. وقدما قيل: "المال خادم مطيع، ولكنه سيّد
ظالم". وهناك مثل دارج يقول عمّن يعرّض كرامته للمهانة بدلاً من الانفاق في سبيل
حاجاته، وهو "أهين فلسي ولا أهين نفسي".
والعمل على إيجاد مصادر لتمويل المشاريع الكنسيّة
أمر يستوجب الاهتمام، ما دمنا نعيش على الأرض. وللكنيسة أراض يجب إحسان استثمارها،
وممتلكات تجب إدارتها بحكمة وكفاية، ولها مشاريع يجب تأمين المال لها لكي تستمرّ
وتزدهر، لذلك سيدور الحديث في دورتنا هذه عن نتائج عمل المتابعة والتنسيق بين
المنظمات غير الحكوميّة، وصندوق دعم المدارس الكاثوليكيّة ووجوب تخصيص نسبة مئويّة
من مداخيل الأوقاف لمساعدة المحتاجين، ولا بدّ من صناديق استثمار، وإدارة الأملاك
إدارة جيّدة، وغالبًا ما تقع إدارة الأملاك الكنسيّة في محاذير يجب العمل على
تلافيها، عن طريق تخصيص بعض رجال الإكليروس خاصة في الرهبانيات لتولّي الإدارة
الماليّة لبعض المجموعات والإدارات التي تعود إلى الكنيسة. أو على الأقلّ إسناد هذه
المهمة إلى رجال اختصاص ذوي كفاية، وخبرة طويلة، وصيت حسن، وضمير حيّ.
والمال ان لم يكن وسيلة للرسالة لدى رجال الاكليروس،
فهو يشكّل خطرًا كبيرًا. وكلام السيد المسيح واضح وصريح، وهو يقول: "لا يقدر أحد أن
يعبد ربّين. فاما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويرذل الآخر. لا
تقدرون أن تعبدوا الله والمال" (متى 6/24). لذلك تشدّد القوانين الرهبانيّة على
النذور الثلاثة وهي العفّة والطاعة والفقر. وقِدَمًا قيل المال مادّة الشهوات. ومن
كان غنيًا تكثر لديه الرغائب، جيّدها وقبيحها، ويطلّق الكثير من الفضائل وبخاصة
التواضع، والتقشّف، ونكران الذات. وقد ورد في كتاب "على عهد الأمير" للكاتب المعروف
فؤاد افرام البستاني طرفة لا بأس من التذكير بها، وهي أنه كان في ساحة قصر الأمير
بشير بركة ماء، وكان الأمير يدعو إليه بعض الشبان ليقوموا أمامه ببعض العاب فروسيّة
منها القفز فوق البركة من طرف إلى الطرف الآخر دون السقوط في الماء. وراح الشبان
الواحد تلو الآخر يتبارون في القفز، ويسقط مجملهم في وسط البركة، إلاّ أحدهم وقد
تفرّد عنهم جميعًا وقفز فوق البركة دون أن يسقط فيها. فدعاه الأمير وقال له. فكّ
الكمر، ففعل فإذا به يخفي صرّة من الدراهم تحت الكمر. فقال له الأمير، إرفع صرّة
المال وضعها هنا، واذهب إلى القفز. وأطاع الفتى الأمير، فقفز لكنه سقط هذه المرّة
في وسط البركة.
والأمثولة واضحة وهي أن المال يولي الإنسان قوّة،
وعجرفة، واعتدادًا بالنفس. لذلك قال السيد المسيح ما قال عن المال، وواجب الزهد
بالمال في الحياة الرهبانية من أوجب الواجبات. لكنه لا بدّ من المال في جميع مرافق
الحياة. وسُئل نابوليون مرّة: ماذا ينبغي عمله لربح الحرب. أجاب ثلاثة أشياء وهي:
المال، والمال، والمال.
ولنذكر دائمًا أنّ
المال وسيلة لقنية الحاجات التي لا بدّ منها لقوام الحياة، ولاطلاق المشاريع
المفيدة، لكنّه ليس معبودًا لأنّه غالبًا ما يقوم مقام الله. والله لا يقوم مقامه
شيء في الدنيا، تبارك اسمه إلى دهر الدهور.
* * * * * * |