|
كلمة نيافة الكردينال
البطريرك مار نصرالله بطرس صفير
في افتتاح الدورة
الأربعين
لمجلس البطاركة
والأساقفة الكاثوليك في لبنان
بكركي، في 13 تشرين الثاني
2006
أصحاب الغبطة، والسيادة،
الأمهات العامات، والآباء
العامون،
الآباء الأجلاّء، أيها الأخوة،
إننا نحييكم جميعًا
باسم الرب يسوع، تحية الأخوّة، والمحبة، والاحترام، ونسأل الله بشفاعة والدته
البتول، أن يلهمنا، في هذه الدورة الأربعين من دورات مجلسنا، العمل بوحي تعاليمه
الإلهية، والسير على هدي إنجيله المقدس.ونحيي بوجه خاص سيادة السفير الباباوي لويجي
غاتي الذي يشترك معنا في افتتاح هذه الدورة.
موضوع دورة مجلسنا هذه
السنة: "الرعية والعمل الراعوي: التنشئة المسيحية للبالغين". وهو موضوع، فيما
نعتقد، مهمّ، وحيوي، بالنسبة إلى الحياة الدينية في رعايانا والمؤمنين عندنا.
ونتساءل ما هي الرعية
ومقوّماتها، وما هو العمل الراعوي؟ وعلامَ يقوم؟ وما هي التنشئة المسيحية؟ وإلامَ
ترتكز؟ وسنحاول الإجابة على هذه الأسئلة بالاستناد إلى ما ورد في مجموعة قوانين
الكنائس الشرقية، والمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وما ترشدنا إليه الخبرة
المعاشة.
1.
الرعية بحسب القانون 279 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية: "هي جماعة معيّنة من
المؤمنين، مقامة في أبرشية ما على نحو ثابت، تُعهد العناية الرعوية فيها إلى راعٍ"،
والقانون التالي يقول: "تكون الرعية عادة محليّة، أعني تشمل جميع مؤمني منطقة
معيّنة؛ وهناك رعايا شخصية إذا كانت تشمل مؤمنين من جنسية، أو لغة معيّنة، أو تنتمي
إلى كنيسة أخرى متمتعة بحكم ذاتي".
2.
أما
العمل الراعوي، فهو الاهتمام بأبناء رعية معيّنة اهتمامًا راعويًا روحيًا، شأن
الراعي الذي يؤمّن لقطيعه ما يحتاج إليه من غذاء، وتوجيه، ورعاية. وكاهن الرعية هو
هذا الراعي الذي يؤمّن لأبناء الرعية زادهم الروحي اليومي. وهو عمل يقتضي له سهر
دائم، ووعي تام، ونشاط دائب.
ومن واجبات الراعي أن
يرشد، ويوجّه، ويعظ، وإذا قضت الحال، أن يؤنّب، على ما يقول بولس الرسول في رسالته
إلى تلميذه تيموتاوس: "بشّر بالكلمة، وداوم على ذلك في وقته، وفي غير وقته، وبخّ،
وأنّب، وعظ، بكل أناة وتعليم". فوظيفة الراعي إذن التعليم الديني الذي عليه أن يقوم
به بذاته، أو بواسطة سواه من المعلّمين (أو المعلّمات) الذين يستعين بهم ممّن
يكونون من ذوي السيرة الحسنة، والعقيدة الصحيحة. ولا يجوز أن يوكل القيام بهذا
الواجب إلى غير المؤمنين، كما يفعل بعض المسؤولين عن بعض المدارس. والمبدأ معروف،
وهو: "من لا يملك، لا يمكنه أن يملّك".
وفضلاً عن واجب
التعليم، على كاهن الرعية أن يقوم بواجب التقديس، الذي يتضمّن الاحتفال بالطقوس،
وبخاصة الاحتفال بالذبيحة الإلهية، وتوزيع الأسرار، وتعيين وقت محدّد لسماع
الاعترافات بذاته، أو بواسطة من يستعين بهم من الكهنة، وإقامة صلاة الخورس،
والزياحات حيثما يجب.
وهناك أيضًا واجب
التدبير، ولا يمكن القيام به إلاّ من كان راعيًا يعرف رعيته، على مثال السيد المسيح
القائل: "أنا هو الراعي الصالح. أعرف خرافي، وخرافي تعرفني". وتقضي وظيفة التدبير
على الراعي بأن ينمّي الإيمان لدى أبناء رعيته، ويزور البيوت، والمدارس، ويظهر
محبته الأبوية للمرضى، وللفقراء، والمنبوذين، والكادحين. وعليه أن يعمل بما يقوله
حزقيال النبي عن الراعي الصالح، الذي هو السيد المسيح: "أنا أرعي غنمي، وأنا
أُربضها، يقول السيد الرب، فأتطلّب المفقودة، وأردّ الشاردة، وأجبر المكسورة،
وأقوّي الضعيفة، وأحفظ السمينة والقويّة، وأرعاها بعدل".
3.
وما
هي التنشئة المسيحية؟ إنها تعريف الإنسان بالله خالقه، بالحديث عنه، وغرس الإيمان
به في قلبه. وهذا عمل يبدأ في حضن العائلة، ويتواصل في المدرسة، ويتقوّى في المجتمع
بالممارسة، والاطّلاع على حياة الكنيسة والقديسين. وهو يجب ألاّ ينقطع، لا بل يجب
أن يستمرّ مع المؤمن ما استمرّ على قيد الحياة.
وهذه التنشئة يجب أن
تتوجّه، قبل كلٍّ، إلى الضمير، فتعمل على تقويم اعوجاجه، وتوجيهه التوجيه السليم.
جاء في تعليم الكنيسة الكاثوليكية أنه لا بدّ من تثقيف الضمير وتوعيته، فقال:
"توعية الضمير وإنارة الحكم الأدبي لا بدّ منهما. والضمير المثقّف مستقيم وذو
مصداقية. وهو يصوغ أحكامه على هدي العقل، ووفق الخير الحقيقي، الذي تريده حكمة
الخالق. ولا غنى عن تثقيف الضمير للكائنات البشرية الخاضعة لتأثيرات سلبية.
والمعرّضة لتجربة الوقوع في خطأ تفضيل حكمها الذاتي، ورفض تعليم السلطة الكنسية.
وتربية الضمير أو
تثقيفه مهمة تدوم ما دامت الحياة. وهذه التربية تعمل، منذ الصغر، على إيقاظ الولد
على معرفة الشريعة الباطنية، أي الضمير الأدبي، وعلى ممارستها. والتربية الفطنة
تعلّم الفضيلة، وتعصم من الخوف، والأنانية، والكبرياء، ومرارة الشعور بالذنب،
ومحاولات الاسترضاء أو التزلّف، وتشفي من كل هذه النواقص المتأتية عن الضعف البشري،
والأخطاء المرتكبة. وتربية الضمير تضمن الحرية، وتولّد السلام في القلب".
وكلمة الله، في عملية
تثقيف الضمير، هي النور الهادي على الطريق. وعلينا أن نتشبّع منها بالإيمان
والصلاة، وأن نضعها موضع العمل. وعلينا أن نفحص الضمير أمام صليب المسيح. والروح
القدس يساند بمواهبه، ومثل الغير أو نصائحه تساعدنا، وتعليم الكنيسة الرسمي
يهدينا".
4.
ونتساءل أين نحن من تنشئة البالغين عندنا اليوم؟ وهل هي تنشئة لها فاعليتها في حياة
المؤمنين اليومية، وبخاصة في مجتمع يعيشون فيه. أجل أن هناك مدارس في معظم
الأبرشيات للإعداد للزواج، يرتادها لفترة معيّنة المقبلون عليه، للإطّلاع على ما
يضعه اقتبال سرّ الزواج على كاهلهم من مسؤوليات .
غير أن تنشئة البالغين
في الشؤون الدينية المسيحية عندنا قد تحتاج إلى اهتمام يفوق ما تُعار من عناية
واهتمام. ولا ندري ما إذا كان هناك دروس مخصّصة لذلك، لدى بعض الجامعات الكاثوليكية
في لبنان، ما عدا ما كان يُلقى من دروس دينية في جامعة القديس يوسف. ولا نعتقد أن
الذين يقبلون عليها من العلمانيين كثر. وإذا خرجوا من الصفوف الثانوية، ظنّوا أن ما
حصّلوه منها أصبح كافيا، ولا حاجة إلى الاستزادة. وهذا ضلال كبير. لذلك نرى
الكثيرين من العلمانيين عندنا قد أبحروا في العلوم الدنيوية وجلّوا في ميدانها،
لكنهم يظلّون شبه أمّيين في شؤون الدين والحياة الروحية. وهذا ما عبّر عنه أحد كبار
الأدباء عندنا بقوله، على طريقته الفكاهية، عن مثل هؤلاء:
"إنهم
جهابذة في علوم الدنيا، حمير في شؤون الله".
ونتساءل أيضًا: ترى لو
كان العلمانيون عندنا، وبخاصة أهل السياسة، على اطلاع وافٍ على مبادئ التعليم
المسيحي، ولو كانوا يضعون موضع العمل في حياتهم السياسية اليومية، ما يلقّنهم إياه
هذا التعليم أفكانوا يتصرّفون على الوجه الذي نراهم عليه؟ أفما كانوا يُقلعون عن
التراشق، والتكاره، والتباغض، والتحاسد، والاقتتال إلى ما هنالك من مشاعر لا تدلّ
على أخوّة، ولا على احترام متبادل؟
في المشهد اليومي الذي
نراه، والخطاب السياسي الذي نسمعه كل يوم، خاصة لدى المسيحيين من أهل السياسة، بعيد
كل البعد، في ظنّنا، عمّا يجب أن يكون. وإذا كان بينهم من عداوة، وهي يجب ألاّ
تكون، أفما قال السيد المسيح بمحبة الأعداء؟ أفما استشهد بولس الرسول بسفر الأمثال
عندما قال: "إن جاع عدوّك فأطعمه، وان عطش فأسقه، فإنك بفعلك هذا تركم على رأسه جمر
نار". ويضيف: "لا تدع الشرّ يغلبك، بل اغلب الشرّ بالخير". وليس هناك في لبنان،
ويجب ألا يكون، من أعداء، بل أخوة. وما هكذا يعامل الأخوةُ الأخوةَ. وجميعنا نرى أن
أعداد المسيحيين تتضاءل، كل يوم، في هذه الأرض التي شهدت ميلاد الرب يسوع، وحياته
في ربوعها، وموته على الصليب، وقيامته من بين الأموات. أما من وسيلة لتحسيس الذين
يتصرّفون مثل هذا التصرّف المسيء، بما يقع عليهم من مسؤولية؟
لذلك يجب أن ترافق
التنشئة المسيحية المسيحي مدى الحياة، ليستعين بها للبقاء على مسيحيته فاعلة فعل
الخميرة في العجين، وليتمكّن من أن يضع موضع العمل قول الرب يسوع: "هكذا فليضئ
نوركم أمام الناس، ليروا أعمالكم الصالحة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماء".
حفظ الله شعبنا المسيحي
في إيمانه، وأنارنا الله بتعاليمه الإلهية، المشعّة من إنجيله المقدس، وسدّد خطانا
جميعًا إلى الخير والتوفيق.
* * * * * * |