|
البيان الختامي
للدورة
الأربعين لمجلس البطاركة والاساقفة
الكاثوليك في لبنان
بكركي في
18/11/2006
1. عقد مجلس
البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية العادية الأربعين في الصرح
البطريركي الماروني في بكركي من الثالث عشر إلى الثامن عشر من تشرين الثاني 2006،
برئاسة صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك أنطاكية
وسائر المشرق للموارنة، ومشاركة أصحاب الغبطة غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك
أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ومار
اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، البطريرك الأنطاكي للسريان الكاثوليك، ونرسيس
بدروس التاسع عشر، كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، وأصحاب السيادة
مطارنة الكنائس الكاثوليكية في لبنان، وقدس الرؤساء العامين ومندوبين عن الرؤساء
الأعلين وأعضاء مكتب الرئيسات العامات. وحضر جلسة الافتتاح القائم بأعمال السفارة
البابوية الأب فيسفالداس كولبوكاس.
تدارست الدورة موضوع
"الرعية والعمل الراعوي" مستكملة موضوع الدورة السابقة: "التنشئة المسيحية
للمؤمنين". فقدّم له صاحب الغبطة والنيافة رئيس المجلس بالكلمة الافتتاحية،
وابرز أهميته سيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي بكلمة ألقاها باسمه، لوجوده
خارج لبنان، القائم بأعمال السفارة البابوية. والتمس أعضاء المجلس بركة قداسة
البابا بنديكتوس السادس عشر الرسولية لدورتهم ولهم وللبنان وشعبه، في برقية وجهها
إليه باسمهم صاحب الغبطة والنيافة. بعد عرض عام للموضوع كانت شهادات حياة لكهنة
وآباء ومؤمنين علمانيين تناولت واقع الرعية والعمل الراعوي، وخدمة الكاهن الراعوية
وتنشئته المستمرة، ودور المؤمنين العلمانيين في حياة الرعية ورسالة الكنيسة
وتثقيفهم الديني. وعقدت حلقات حوار تعّمقت في المواضيع المطروحة وأدلت باقتراحات
عملية. ثم اتخذت الدورة تدابير إدارية وتوصيات ومقررات متنوعة في ضوء تقارير اللجان
الأسقفية المنبثقة من المجلس وتقارير الهيئات التي يشرف عليها.
وقد أولى المجلس الشأن
الوطني اهتماماً خاصاً بسبب الظرف الخطير الذي يمر فيه لبنان، وأصدر هذا البيان.
القسم الاول، موضوع الدورة
الرعية خلية الكنيسة والمجتمع
2. الانتماء إلى
الكنيسة الجامعة يبدأ خطواته الأولى في الرعية التي هي "جماعة معيّنة من المؤمنين،
مقامة في أبرشية ما، على نحو ثابت، سواء ضمن حدود بقعة محدّدة أم على مستوى أشخاص
معينين. تُعهد العناية الرعوية فيها الى كاهن يسوسها باسم الأسقف" (ق 279). وبهذه
الصفة تُعتبر "خلية الابرشية" (القرار في رسالة العلمانيين،10) و"كنيسةً مصغرة"
تمثّل الكنيسة المنظورة القائمة في العالم" (دستور الليتورجيا المقدسة، 42)، بل "هي
الكنيسة ذاتها العائشة في عقر دار أبنائها وبناتها" (الإرشاد الرسولي: العلمانيون
المؤمنون بالمسيح، 26)، حيث يضمن الاسقف ثباتها ونموها بواسطة الكاهن معاونه. انها
تختزن وسائل الشركة مع الله والشركة بين الناس، نعني كلمة الإنجيل ونعمة الأسرار
وبخاصة خبز جسد الرب ودمه للحياة الأبدية، وتسطع علامةً شاهدة لهذه الشركة.
لقد أولينا الرعية كل
اهتمامنا، كرعاة مسؤولين عنها في الدرجة الأولى، لتصبح رعية حيّة تكون بمثابة خليّة
للكنيسة والمجتمع، يصنعها سرّ الإفخارستيا، "صانعة الكنيسة وينبوع حياتها وذروة
رسالتها" (البابا يوحنا بولس الثاني: الكنيسة من الافخارستيا، 1). فهذا السرّ يجمع
المؤمنين ليؤلفوا جماعة روحية هي جسد المسيح، وجماعة بشرية تتعارف وتتحاب وتتضامن،
شاهدةً لمحبة الله في وحدة هذا الجسد (يو 17/21). بفضل هذا السرّ يكون المؤمنون على
رأي واحد ومحبة واحدة ونفس واحدة وضمير واحد متخلّقين بأخلاق المسيح (فيليبي 2/2
و5)، ويطبعون الشؤون الزمنية بطابع الإنجيل. وهكذا تكون الرعية "أسرة الله" و"جماعة
إيمان وجماعة عضوية منظّمة" (العلمانيون المؤمنون بالمسيح، 26)، تظهر فيها وحدة
الكنيسة بين الجماعات المحلية، حيث لكل الأعضاء مكان خاص وفقاً للمواهب التي
يوزّعها الروح القدس لفائدة الجسد كله. ولئن كانت الرعايا عديدة فانها مدعوة "لتكون
رعية واحدة لراع واحد" (يو 10/16) هو المسيح، على صورة الجماعة المسيحية الأولى في
الكنيسة الناشئة (اعمال الرسل 2/42-47)، من خلال انتمائها الى الأبرشية والتفاعل
معها.
3. غير ان
المتغيرات الطارئة على واقع الرعية، كجماعة عضوية منظمة، تضعنا امام اربعة انواع من
الجماعات تقتضي حلولاً لها.
أ) المناطق الجبلية
التي تفرغ من سكانها طيلة قسم كبير من السنة، وينتقلون الى المدن الساحلية
الكبرى، تقتضي تنظيم نشاطات مشتركة فيها، من شأنها ان توفرّ للمؤمنين حسّ الانتماء
الى الكنيسة. في الوقت عينه ينبغي العمل مع الدولة وسواها لحفظ سكان الجبل في قراهم
وبلداتهم بتوفير ما يلزم من مقومات: طرق ومؤسسات وفرص عمل...
ب) المدن الكبرى
وضواحيها تستقبل جماعات متنوعة العادات والذهنيات والمستويات الثقافية
والانتماءات الكنسية. فتبرز الحاجة الى تنظيم راعوية في الاحياء، يتعاون فيها كهنة
ومنظمات رسولية ورهبان وراهبات وعلمانيون. وهكذا تتكون جماعات منظمة تُشعر المؤمنين
بالانتماء الى الرعية والكنيسة.
ج) الرعايا
الرهبانية الكبيرة القائمة في المدن او كنائس الاديار التي تتوفر لديها
الامكانات للقيام بعمل رعوي متكامل، والتي تجتذب المؤمنين من رعاياهم حتى افراغها
نوعاً ما، تقتضي ان تعاون بوسائلها كهنة الرعايا المجاورة. هذا التعاون يعني ان
الكهنة يطلبون مساعدة لكنائسهم وان الجماعات الرهبانية تكون مستعدة لتلبيتها بتجاوز
العديد من الحواجز.
د) الرعايا الكبيرة
حيث تتوفر اعداد من الكهنة والجمعيات الرهبانية والمنظمات الرسولية تستدعي المزيد
من التنسيق والتعاون والتواصل لكي تشكل الرعية جماعة حيّة فاعلة وشاهدة.
دور كاهن الرعية
4.
أياً تكن
الرعية، جغرافية أو شخصية، فاننا نعمل معها لتستعيد وجهها، وجه المسيح والكنيسة،
وبالتالي وجه الله: "وجهك، يا رب، التمس" (مز 27). ولذا ينبغي ان تكون الرعية في
تجدّد دائم، يقوده الأسقف وكاهنها بالتعاون مع قواها الحيّة. ولكي تظلّ جماعةً
مسيحية فاعلة وشاهدة، وتعمل في مجتمعها عمل الخميرة في العجين، يعود الدور الأساسي
إلى الكاهن الذي
ينوب عن الاسقف ومنه ينال التكريس والرسالة، ومعه يشارك في كهنوت المسيح الواحد
ورسالة الخلاص (القرار المجمعي في خدمة الكهنة وحياتهم،7). يلتزم الكاهن أولاً
بحياته الروحية الإنجيلية في اتباع المسيح الكاهن الأزلي والمعلم الإلهي والراعي
الصالح. ويكون همه الأول أن يدخل كل فرد من إفراد رعيته في شركة عميقة مع الله
بالمسيح، بإيمان واعٍ، مثقف ومسؤول. ان حضوره في الرعية استمرارية لحضور المسيح،
فباسمه يعمل وبشخصه يمارس خدمته في مختلف مجالاتها، وفقاً لتوجيهات السلطة
التعليمية في الكنيسة، ولاسيما في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني والإرشادات
الرسولية.
5.
لا يقتصر دور كاهن
الرعية على
العناية
بالمؤمنين من ابناء كنيسته، بل يمتد إلى سواهم من ابناء الكنائس الاخرى واتباع
الطوائف غير المسيحية، المدعوين كلهم ليعيشوا في ما يسمى "بحوار الحياة والثقافة
والعيش المشترك" (رجاء جديد للبنان، 91-92).
على مستوى الشركة
ضمن الكنيسة الكاثوليكية،
ينخرط الكاهن والرعية في عملية التعاون والتنسيق من أجل الرسالة الواحدة، مع
الالتزام بما يضع مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان من خطة راعوية في
دوراته السنوية، وبما تقترح اللجان الأسقفية التابعة للمجلس من مبادرات تطبيقية
وعملية.
ومن الناحية
المسكونية،
تعمل الجماعات القائمة على ارض الرعية الواحدة على مواصلة التعاون في أداء الشهادة
للمسيح " بتغليب الحقيقة وحوار المحبة، وباحترام التقاليد والمشاعر، وباكتشاف
التراث الأنطاكي المشترك والتعمق فيه" (رجاء جديد للبنان، 86). وفيما نثني على
مبادرات التعاون المسكوني في الرعية الواحدة وبين الرعايا المجاورة، اننا نشجعها
شرط تنسيقها وفقاً للمبادىء والتوجيهات المعطاة في "دليل العمل المسكوني"
(اصدره المجلس الحبري لوحدة المسيحيين في 25 اذار 1993).
وعلى صعيد العيش
المشترك،
تشكل الرعية مكاناً لإحياء العيش الواحد بالمعرفة المتبادلة على حقيقتها، والتعاون
في الشأن العام وبخاصة على صعيد الإنماء والتضامن والقيم الأخلاقية. وتوفّر
المزارات وأماكن الحج المسيحية مجالاً حيوياً وصافياً لمدّ الجسور، وتوطيد العلاقات
بين المسيحيين والمسلمين بعيداً عن التيارات السياسية والتعصب والتزمت، والتركيز
على القيم الروحية، مصدر السلام الحقيقي النابع من الله. فإذا استقر هذا السلام في
القلوب، انفتح الناس بعضهم على بعض بالاحترام المتبادل والتعاون.
العمل الراعوي
6.
يستمد العمل
الراعوي
روحه ومضمونه من "المسيح راعي الرعاة" (1 بطرس 5/4)، ومن كون جماعة المؤمنين تشكّل
" رعية الله التي عُهد بها للكهنة، ليسهروا عليها روحياً وبكل قلوبهم، لا كارباب
لها بل كقدوة حسنة" (1 بطرس 5/2-3). نحن نؤمن ان الرب يسوع ما زال حاضراً وسط
المؤمنين يعظ بكلمة الله ويمنح اسرار الايمان ويقود شعب العهد الجديد شطر السعادة
الخالدة (الإرشاد الرسولي: رعاة القطيع،6)، بواسطة خدمة الاساقفة والكهنة معاونيهم
والعلمانيين الملتزمين.
ان مجموعة قوانين
الكنائس الشرقية (ق 289) تحدد مهام العمل الرعوي في ضوء التعليم اللاهوتي والبيبلي،
وهي نابعة من المشاركة في رسالة المسيح الكهنوتية المثلثة الأبعاد: التعليم
والتقديس والرعاية، وقد تسلمها الاساقفة من الرب، بوصفهم خلفاء الرسل، ليمارسوها
خدمةً مقدسة مع الكهنة معاونيهم (الدستور العقائدي في الكنيسة، 24-27).
تقتضي مهمة التعليم
أن يعظ الكاهن ويعلّم جميع المؤمنين، ليترسّخوا في الإيمان والرجاء والمحبة وينموا
في المسيح ويؤدّوا شهادة المحبة؛ وان يرشدهم بالتعليم المسيحي إلى معرفة سرّ الخلاص
معرفة تتناسب مع كل سنّ، مستعيناً بأعضاء المؤسسات الرهبانية والعلمانيين الكفوئين
(ق289، البند1).
في خدمة التقديس،
يكون الاحتفال بالقداس الإلهي محور حياة الجماعة المسيحية كلها. ويعمل الكاهن
جاهداً على تقديم الغذاء الروحي للمؤمنين بواسطة قبول الأسرار بايمان والمشاركة
بوعي في الصلوات الطقسية. ويولي اهتماماً خاصاً ووقتاً وفيراً لخدمة سرّ التوبة
والمصالحة (البند 2).
أما مهمّة الرعاية
فتوجب على الكاهن أن يعرف أبناء رعيته، معرفة الراعي لخرافه، ويعزز نمو الحياة
المسيحية في الأفراد والمنظمات الرسولية والجماعة الرعوية بأسرها. فيزور المنازل
والمدارس، ويسهر على الفتيان والشبيبة، ويعتني بالفقراء والمرضى والأيتام، ويساعد
المؤمنين على تمييز مواهبهم ووضعها في خدمة العمل الرسولي (البند 3).
لا ينحصر العمل الراعوي
بالاسقف وكهنته، بل يشارك فيه شعب الله كله. فللمؤمنين، بحكم معموديتهم، الحق
وعليهم الواجب بأن يشاركوا وفقاً لحالتهم في خدمة المسيح المثلثة (القرار في رسالة
العلمانيين،3)، وكذلك المكرسون والمكرسات وبحكم نذورهم (توجيهات بشأن العلاقات
المتبادلة، 9/ج).
التنشئة المسيحية للمؤمنين
7. يتولى مطران
الأبرشية مسؤولية التنشئة المسيحية لأبناء أبرشيته، ويعمل على إعداد الكهنة
ومساعدتهم للقيام بها في رعاياهم. لقد أشار فريق من الشبان، بمؤازرة بعض الآباء
والكهنة، في ضوء استطلاع حول "الكاهن والشبيبة"، الى حاجة ملحّة هي حضور
الكاهن في رعيته وجهوزيته. فالكاهن "اختير من بين الناس وأقيم لدى الله من اجل
الناس" (عبرانيين 5/1). ان انشغال الكهنة بكثير من المسؤوليات قد يعيق رسالتهم
الأساسية في تنشئة الشبيبة وإرشاد الحركات الرسولية والتجمعات المهنية والعاملين في
حقول الثقافة والاقتصاد والسياسة. فمن الضرورة تحليل العوائق والسعي الى ازالتها
بالاستعانة
بالعلمانيين للقيام بمهامٍ يشغلها الكهنة وقد تحدّ من تفرّغهم من اجل "المطلوب
الواحد". وتبرز الحاجة إلى مشاركة الرهبان والراهبات في العمل الراعوي، فإن لهم
دوراً طليعياً فيه من خلال المدرسة أو التعاون مع الشبيبة أو إرشاد الحركات
الرسولية أو تكوين الجوقات، وسواها من المجالات.
تهدف
التنشئة المسيحية
إلى
ان يصل المؤمن إلى شركة عميقة مع الله بالمسيح، ويكون شاهداً للمحبة في مجتمعه.
تشكل الحركات الرسولية المكان الافضل لتنشئة الشباب المسيحي، وفقاً للنهج
الذي اعتمده الرب يسوع مع تلميذي عماوس المحطّمي الآمال والسائرين نحو المجهول
حزينين، مثل بعض من شبيبتنا اليوم (انظر لوقا 24/13-35).
تقوم التنشئة أولا على
العلاقة الشخصية بين الكاهن والشباب: يسير معهم في طريقهم، يستمع إلى معاناتهم
وتطلعاتهم، يثقّف عقولهم بكلام الله وتعليم الكنيسة، قارئاً معهم علامات الأزمنة،
وشارحاً لهم أحداث الحياة اليومية في ضوء الكلمة الإلهية، وحاملاً إليهم أجوبة
المسيح عن تساؤلاتهم العديدة، ويمكث معهم متضامناً. تقود هذه التنشئة إلى مائدة
الإفخارستيا، التي تفتح العيون على معرفة المسيح، وتنشّط الهمم وتزيد الاندفاع الى
الشهادة والرسالة في قلب الجماعة الكنسية. ويدرك الشباب أن كنيستهم هي كنيسة المحبة
المتجسدة في الأعمال، وكنيسة الانفتاح على جميع الناس بروح الخدمة، وكنيسة الشهادة
للأخوّة الشاملة بحضورٍ من اجل العالم لا من اجل الذات.
ما أحوج أن يتبع الكاهن
هذا النهج مع الأزواج والعائلات الجديدة، سواء في الرعية أم في "مركز
التحضير للزواج" أم في "مركز الإصغاء والإرشاد العائلي". فالتنشئة تدخل في صلب
راعوية العائلة التي تشكّل أولوية في رسالة الكنيسة. ففي الأسرة، يُحاك النسيج
الاجتماعي الأول، وتتحقّق تربية الشبيبة المسؤولة غدًا عن الوطن، ويتربّى الأولاد
منذ الصغر على حضور الله والثقة بحنوه الأبوي، ويُنقل الإيمان المسيحي من جيل الى
جيل، وتنبت الدعوات الى الزواج والكهنوت والحياة المكرّسة، ويقدّم الأهل لأولادهم
قدوة في الصلاة والتأمّل في كلام الله (رجاء جديد للبنان، 46؛ رسالة مجلس بطاركة
الشرق الكاثوليك: العائلة مسؤولية الكنيسة والدولة، 37).
تبقى الحاجة الى تشجيع
أبناء أبرشياتنا ورعايانا لأن ينهلوا ثقافتهم المسيحية من مراكز التثقيف الديني،
والى إيجاد أمثالها حيث لا توجد.
أن ندعو الكهنة والقوى
الحيّة في الرعايا إلى إنشاء الهيكليات الرعائية القانونية، من مجالس ولجان
ومنظمات وسواها، فلكي يوفّروا لأعضائها التنشئة المسيحية المستمرة. إنّ تثقيف
المؤمنين العلمانيين يهدف الى اكتشاف دعوتهم الشخصية ورسالتهم في الكنيسة، وبالتالي
الى تأهيلهم للمشاركة الملتزمة في العمل الرسولي على مستوى الرعية والأبرشية،
ومؤازرة كاهن الرعية في مهمّاته الرعوية (العلمانيون المؤمنون بالمسيح، 58).
ولا بدّ هنا من حسن
التقدير لما توفّر اذاعة صوت المحبة وتلفزيون تيلي لوميار/نورسات من مساهمة
في التثقيف الديني والتنشئة والشعور بالانتماء الى الكنيسة.
تنشئة الكاهن
8. ولئن كان موضوع دورة مجلسنا
محدداً "بالرعية والعمل الراعوي"، فلا بدّ إزاء اتساع مجالات في العمل الراعوي
وحاجاته والمتغيرات الرعائية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وامام واجب توفير
تنشئة ملائمة للمؤمنين المتنوعي الثقافة، وامام سواها من التحديات، من ان نشير
لِماماً الى تنشئة كاهن اليوم.
9. على مستوى المدارس
الاكليريكية، ينبغي التشديد على أسس التنشئة الكهنوتية في ضوء الخبرات التي
تقدمها مختلف الانماط هنا وهناك، بحيث يصلح هذا النمط للإجابة عن واقع العمل
الراعوي ومجالاته وحاجاته، ولملاءمة التنشئة التي يتلقاها الطالب الاكليريكي مع
واقع الرسالة الكهنوتية التي تنتظره على ارض الرعية، مع ما تستدعي من حسّ رسولي
ورسالي وتمرّس روحي وليتورجي.
وإننا نشجع قيام تعاون
وثيق بين المنشّئين في الإكليريكيات لدرس أنماط التنشئة وبرامجها، والطرق الفضلى
لإيصال البشارة الإنجيلية، وتوزيع سنوات الدراسة وإدخال البعد الراعوي فيها، وتحسين
السنة الرعائية وجعلها إلزامية للجميع.
10. وعلى مستوى اُطر تنشئة
الكاهن ومضمونها، ينبغي ان تشمل التنشئة الإطار الروحي والإنساني والثقافي
والليتورجي والرعائي. وقد توسّع فيها الارشاد الرسولي "أعطيكم رعاة" (الفقرات
43-59).
تشدد التنشئة
الروحية على أولوية الحياة الروحية عند الكاهن من اجل عمل رعائي مثمر، وعلى
الوسائل الكفيلة بتنميتها في نفسه بصورة مستمرة. وتصقل التنشئة الإنسانية
شخصية الكاهن الانسان والخادم. فهو " انسان فُرز من بين الناس ليكون في خدمة
الناس". وتسعى إلى أن يتحلّى برقة القلب واللطف والصبر والاتزان والمحبة والإنصاف
والاخلاص وروح الالتزام. وتوفرّ له التنشئة الثقافية طابع الشمولية المميزة
باكتساب كميّة من المعلومات وإمكانية التعامل الجدي معها ضمن رؤية شاملة. وتجعل
التنشئة الليتورجية من الكاهن راعياً غيوراً للنفوس، يقودها الى حسن العبادة
بالروح والحق" (يو4/23)، والى ينابيع الحياة المسيحية في الليتورجيا (دستور
الليتورجيا المقدسة،14). وتأتي التنشئة الرعائية لتجمّل الكاهن بالأبوّة
الروحية المتجلية في خدمة النعمة والمحبة، وتنمّي قدرته على تبليغ كلمة الإنجيل
وتعليم الكنيسة، وتكسبه المهارات الضرورية وكيفية التعامل مع الناس ومعرفة أصول
الإرشاد والتوجيه والحوار.
وتبقى التنشئة
الدائمة وسيلة لا بدّ منها للكاهن لإحياء نعمة الله فيه، وتجديد معارفه في
مختلف مجالاتها.. وقد توسّعت فيها "الرسالة الراعوية الى الكهنة" التي
وجّهها مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك (في 15 آب 2004، الفقرات 42-47). ومن واجب
مطران الأبرشية أن يهتم اهتمامًا خاصًا بالتنشئة الدائمة لكهنته، فيوقظ ضميرهم على
أهميّتها وضرورتها، ويضع خطّة لها، ويعمل، سواء في أبرشيته أم بالتعاون مع أبرشيات
أخرى، على إنشاء معهد يؤمّن " التلمذة المستمرة" للكاهن، بغية مساعدته على النمو
المستمر واكتساب النضج الروحي والفكري والتمرس على الوسائل الرعائية الجديدة.
في الشأن الوطني
11. يشمل العمل
الرعوي كل ما ينظم علاقة المؤمن بربه وبأخيه الإنسان ومجتمعه وسائر المخلوقات،
والنشاط الزمني على اختلاف انواعه، من الناحية الروحية والاخلاقية. لا تعتنق
الكنيسة أي نظام سياسي او اقتصادي خاص، بل ترضى بكل نظام يضمن للمواطنين ما يجب لهم
من حقوق وما يترتب عليهم من واجبات، من اجل تحقيق ذواتهم وتوفير العيش الكريم لهم
ولأولادهم في مناخ من الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص. ومهمة
الكنيسة "المساهمة في تنقية العقل من العمى الخلقي ومن تجربة المصلحة الخاصة
والتسلّط، بحيث يتم الاعتراف هنا والآن بما هو عدل وحق، ويوضع موضع العمل. وتعمل
الكنيسة على تنشئة الضمائر في المجال السياسي والاقتصادي وتوجيهها إلى مقتضيات
العدالة بشكل اشمل، والحث على العمل بموجبها، ولو تناقضت مع المصلحة الشخصية"
(البابا بنديكتوس السادس عشر: الله محبة، 27).
12. إننا ندعو
المسؤولين السياسيين في لبنان إلى المصالحة مع السياسة السليمة التي هي
رعاية الخير العام، أي "مجمل أوضاع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
والسياسية التي تمكّن المواطنين والعائلات والمجموعات من تحقيق ذواتهم تحقيقاً
أكمل" (الكنيسة في عالم اليوم، 74). فالخير العام هو وحده مبرر وجود السلطة
السياسية، وفيه تجد معناها، ومنه تستمد حقوقها. فلا يحق لأصحاب السلطة أن يحوّلوا
السياسة وسيلة لخدمة مصالحهم ومصالح بعض الفئات أو الحكام أو أي من الدول. ان
يتصالحوا مع السياسية يعني انهم يمارسونها فناً شريفاً يلتزم في تعزيز الحق والحرية
والعدالة والمحبة التي هي اسس السلام (البابا يوحنا الثالث والعشرون: سلام على
الارض، 35).
تقتضي المصالحة مع
السياسة ان توفّر السلطة المسؤولة للجميع امكانية المشاركة في إدارة الشأن
العام؛ وان يتحلى المسؤولون بالقيم الخلقية في ممارسة الوظيفة ونعني بها
المصداقية والشفافية والاستقامة المسلكية والشجاعة الفكرية وحرية الرأي ومسؤولية
الضمير، والالتزام بتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية والفئوية؛ وان
يعززوا الثقافة الديموقراطية وممارستها توافقيًا، فهي تشكّل الشرط الأساس لبقاء
لبنان في حصوصيته ورسالته. ان هذه الثقافة تعطي الأولوية للنقاش بدل التنافر،
وتغلّب المنطق على الانفعالات الآنية، وتنقل المواطن من مرحلة القبول بما هو مفروض
عليه إلى مرحلة الفعل والتأثير في مجتمعه. كل ذلك بالمثابرة والعزم الثابت والرجاء
بأن التحولات ممكنة كي يتحسن وضع البشر (المجمع البطريركي الماروني: الكنيسة
والسياسة، الفقرات 46 و47 و49 –52).
13. اننا نطالب
المسؤولين وبإلحاح أن يعالجوا الأزمة الوزارية الحالية بروح المسؤولية
وبالسرعة اللازمة وفقًا لمبادئ الدستور والميثاق الوطني على قاعدة الحقيقة
والمشاركة في السلطة والعيش المشترك والوفاق، بعيدًا عن التشنّج والتحدّي. ونطالبهم
بإخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، وبإيقاف عملية
إفقار الشعب اللبناني وتهجيره من وطنه. ونطالبهم ايضاً بوضع قانون للانتخابات
النيابية عادل ومتساوٍ يضمن التمثيل الأفضل، بحيث يتمكن المواطن من اختيار الذي
يرتاح لانتدابه، ومن محاسبته ومساءلته.
وما نأسف له شديد الاسف
هو هذا الانقسام الخطير والمقاطعة بين السلطات الدستورية الثلاث: الرئاسة الاولى
والسلطة التشريعية والسلطة الإجرائية. وهذا طعن في الصميم لكرامة المؤسسات العليا
ولثقة المجتمع الدولي بنا، لا يطيق لبنان واللبنانيون احتمال هذا الطعن. وندعو الى
انهاء هذه الحالة الشاذة المضرّة بالجميع، وبخاصة بالطلاب في المدارس والجامعات
الذين يتورطون في خلافات القيادات على حساب دروسهم ومستقبلهم.
واننا ندعو بنوع خاص
أبناء كنائسنا
الذين يتعاطون الشأن العام أن يتحلّوا بالنبل السياسي ويكونوا صفاً واحداً وراء
قضية لبنان وثوابته، لا منحازين إلى هذا أو ذاك من الأفرقاء، بل موالين للبنان
اولاً وآخراً، ليبقى لبنان ويبقى الجميع. ان ممارستهم للسلطة السياسية تقتضي منهم
احترام بعضهم بعضاً والسعي لإزالة ما يعرّض السلام والوحدة الوطنية للخطر، مع حماية
حقوق الضمير الأدبي والجمع بين الإيمان والعمل.
القسم الثاني: تدابير ادارية
رابطة كاريتاس لبنان
14. أجرى المجلس
انتخابات في مكتب رابطة كاريتاس - لبنان ومجلسها، أتت نتائجها على مستوى المكتب:
الأب لويس سماحه رئيساً بتجديد ولايته، السيد فريد جبران أميناً للمال، السيد فادي
جورج ابراهيم أميناً للسّر. وفي المجلس، تمّ انتخاب ممثلين لأبرشيات هم:
|
السيدة ماري روز كنعان |
عن أبرشية صيدا المارونية |
|
السيد مارون سمعان مطر |
عن أبرشية أنطلياس المارونية |
|
السيد ايلي قرداحي |
عن أبرشية بيروت المارونية |
|
السيد مارون الخوري |
عن أبرشية البترون المارونية |
|
السيد بول زين |
عن النيابة البطريركية في جونيه |
|
السيد جيلبير عاصي |
عن النيابة البطريركية في صربا |
|
السيد كمال نور |
عن أبرشية صور للروم الكاثوليك |
|
الأب عبدالله عزيز |
عن أبرشية الفرزل وزحلة للروم الكاثوليك |
|
السيد معين مخايل مراد |
عن أبرشية
بعلبك للروم الكاثوليك |
|
السيد هادي نظمي راشد |
عن أبرشية بانياس ومرجعيون للروم الكاثوليك |
|
السيد توفيق عريس |
عن كنيسة الأرمن الكاثوليك |
شرعة تلفزيون تيلي
لوميار/ نور سات
15. أسند المجلس
الى الهيئة التنفيذية درس هذه الشرعة مع مجلس ادارة تيلي لوميار ونورسات وإحالتها
من ثمّ على المجلس.
القسم الثالث: توصيات ومقررات
16. صوّت المجلس
على توصيات ومقررات صدرت عن بعض اللجان الأسقفية التابعة له وعن مداولات أعضاء
المجلس، وستنشر في أعمال هذه الدورة للعمل بها.
خاتمة
17. إنّنا نحمد
الله في ختام هذه الدورة عن الرعية والعمل الراعوي على ما ألهمنا اليه
لنلبّي، نحن وإخوتنا وأخواتنا في الكنيسة، إرساله لنا، كما أرسل يومًا رسله (متى
28/19-20)، فنكون علامة حيّة ليسوع المسيح المعلّم والكاهن والراعي. فهو الأيقونة
التي نتطلّع اليها، لكي نمارس خدمتنا منادين لعالمنا برجاء الخلاص.
وفيما لبنان يستعد
للاحتفال بعيد الاستقلال، نأمل أن يأتي العيد بما يرجوه اللبنانيون من سلام داخلي
واستقرار.
وفي مسيرتنا الروحية
نحو ذكرى ميلاد الربّ "أمير السلام" (أشعيا 9/5)، إنّنا نسأله إحلال السلام العادل
والدائم في هذا الوطن وفي العالم، وبخاصة في الأراضي المقدّسة والعراق، ونتوسّل
اليه أن يلهم المسؤولين وذوي الإرادات الطيبة أن يضعوا حدًّا لمآسي الحرب والقتل
والتهجير والعنف والإرهاب."أين الحكماء ليُخبروا ويعلّموا ماذا قضى الربّ لشعبه"
(أشعيا 19/11-13).
وإننا برجاء وطيد نصلّي
مع صاحب المزامير: "صرخوا الى الربّ في ضيقهم، فخلصهم من شدائدهم. أرسل كلمته
فشفاهم، ومن الهوّة أنقذ حياتهم. حوّل الزوبعة الى سكينة، فسكنت الأمواج، وهداهم
الى ميناء بغيتهم. فلنحمد الربّ لأجل رحمته وعجائبه لبني البشر، ولنحدّث بأعماله
بالتهليل. هل من عاقل يحفظ هذه الأمور، ويفطن لمراحم الربّ ؟ (مز 107/19 و21 و29
و43).
* * * * * *
|