البيان الختامي

للدورة الثامنة والثلاثين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان

بكركي، في 11 كانون الأول 2004


 

1.       عقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية العادية الثامنة والثلاثين في مقرّ البطريركية المارونية في بكركي في الأسبوع الممتد من السادس حتى الحادي عشر من كانون الأوّل 2004، برئاسة صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، ومشاركة صاحبي الغبطة غريغوريوس الثالث، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ونرسيس بدروس التاسع عشر، كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، وسيادة المطران فلافيانوس يوسف ملكي ممثلاً مار اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، بطريرك أنطاكية للسريان الكاثوليك. وأصحاب السيادة مطارنة الكنائس الكاثوليكية في لبنان، وقدس الرؤساء العامين للرهبانيات وممثلين عن الرؤساء الأعلين وأعضاء مكتب مجلس الرئيسات العامات للرهبانيات والجمعيات النسائية. كما حضر جلسة الافتتاح سيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي. وكان موضوع الدورة العام: "اللجان الأسقفية وعملها على مدى السنوات الأربع الأخيرة"، سعيًا الى الاطّلاع على إنجازاتها وبرامجها المستقبلية وتفعيلها لتحقيق مقتضيات المرحلة الراهنة وتطلعات المؤمنين ورسالة الكنيسة على أفضل وجه.

2.       بعد صلاة البدء، ألقى صاحب الغبطة والنيافة، رئيس المجلس، خطاب الافتتاح فاستهله بصلاة عن نفس عضو المجلس المتوفى خلال السنة المثلث الرحمة المطران يوسف سلامه، وبالترحيب بأعضاء المجلس الجدد، ثم تناول العمل الفردي من جهة والعمل المشترك الذي يضطلع به المجلس، من حيث هو قيمة إيجابية عندما يمارس بروح المحبة الأخوية وبدافع التضامن البنّاء. وتوقّف عند بعض القضايا الوطنية الراهنة، ومنها قانون الانتخابات النيابية الذي يقتضى فيه أن يصدر دون تأخير وأن يكون عادلاً وصحيح التمثيل، والديون العامة، وحقّ الكنيسة وواجبها في أن تقول في هذه الأمور وسواها كلمتها الواضحة عند الحاجة. وألقى سيادة السفير البابوي المطران لويجي غاتي أيضًا كلمة عبّر فيها عن سعادته بالمشاركة في افتتاح هذه الدورة ودعائه من أجل نجاحها ونقل الى رئيس المجلس وأعضائه بركة قداسة البابا وتمنّياته.

ووجه المجلس الى قداسته برقية أعرب فيها أعضاؤه عن تعلقهم بشخصه وولائهم للكرسي الرسولي ووصل جوابها قبل انتهاء الدورة. ثم بدأوا معالجة جدول أعمال الدورة وفي مطلعه أمور تمهيدية كعرض البيان المالي للعام 2004 والموافقة عليه، وإقرار موازنة العام 2005، واستعراض التعديلات الضرورية على نظام المجلس وإقرارها وتعيين لجنة لصياغة البيان الختامي.

3.       ثمّ قدّمت هيئة المجلس التنفيذية وأمانته العامة تقريرًا عامًا مسهبًا عن ولايتهما المنصرمة الممتدة من 18/11/2000 الى 6/12/2004، تضمّن سبعة وثلاثين عنوانًا تشير الى الأعمال المنفذة والى تلك التي ما زالت قيد التنفيذ كمسألة إعفاء المؤسسات الكنسية من الضرائب والرسوم التي ما زالت عالقة أمام المراجع الرسمية لمعرفة مدى شمولية هذه الإعفاءات وآلية العمل بالقانون 210/2000 الذي صدر عن مجلس النواب. وقد قدّم مجلسنا تعديلاً لهذا القانون العام الماضي راجيًا إقراره في مجلس النواب بالسرعة المطلوبة. ولاحظ المجتمعون أن طبيعة عمل هاتين الهيئتين متنوّع بتنوّع اللجان والمهمّات ويفترض تواصلاً دؤوبًا مع مراجع عديدة رسمية وخاصة وقد تمّ ذلك على ما يقتضيه الحال من جهد ومثابرة.

ثمّ جرى التسلّم والتسليم بين أمين عام المجلس الأب خليل علوان، رئيس جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة العام، الذي تنحّى والأمين المنتخب الخوري ريشارد أبي صالح، فشكر غبطة رئيس المجلس للأمين العام السابق خدماته الجديرة بكلّ تقدير وتمنّى للأمين العام الجديد متابعة المهمّة بنجاح.

4.       بعد ذلك، قدّمت لجنة الشؤون الليتورجية تقريرها وكذلك لجنة الشؤون الكهنوتية والحياة الرهبانية والمكرّسة وجرى التداول بمهمّة كلّ من هاتين اللجنتين وتمّ الإبقاء عليهما لما لموضوعهما من أهمية. وتلت كذلك اللجنة القانونية تقريرها وتناول البحث طريقة تشكيلها واستقرّ الرأي على أن تتألّف من أصحاب اختصاص في القانون الكنسي يمثلون طوائفهم بموجب تعيين لكلّ واحد منهم من بطريرك كنيسته على أن يكون المعيّن مقيمًا في لبنان.

5.       وتواصلت تلاوة تقارير اللجان الأسقفية والهيئات التابعة للمجلس ومناقشتها طوال اجتماعات متتالية وقد تمحورت نشاطات هذه اللجان حول أربعة شؤون رئيسية تشمل عمليًا شتّى مجالات العمل الرسولي الذي تعنى به الكنيسة، وهي:

6.       الشأن اللاهوتي والرسولي، وتضطّلع به خمس لجان، هي اللجنة اللاهوتية والكتابية، ولجنة العيلة، ولجنة التعاون الرسالي، ولجنة رسالة العلمانيين ولجنة اللبنانيين المنتشرين. وأعمال هذه اللجان الواسعة والمتنوعة تشير الى حيويتها من خلال نشراتها الدورية كنشرة اللجنة اللاهوتية وكتاب صلاة العائلة الواسع الانتشار في لبنان والشرق الأوسط الذي أعدّته لجنة العيلة، والمؤتمرات الكثيرة التي نظّمتها هذه اللجان أو شاركت فيها في لبنان والخارج، ولا سيّما مؤتمرات ولقاءات الشباب التي أحيتها لجنة رسالة العلمانيين واحتفالات السنة اليوبيلية العام 2000 وإطلاق راعوية الشباب على مستوى الشرق الأوسط، ثم على مستوى بلدان البحر المتوسط. يضاف اليه راعوية الحركات الرسولية العلمانية وراعوية الحجّ الديني.

ويتناول هذا الشأن أيضًا من جانب آخر لجنة التعاون الرسالي التي تسعى الى تنشيط البعد الرسالي في الحياة الكنسية، ويتطوّع فيها عدد من رجال الاكليروس في خدمة العمّال والعاملات من أصل آسيوي أو أفريقي أو غيره وتوفير الخدمة الراعوية لهم مع خدمات قانونية واجتماعية متنوعة. ومقابل اللجان المعنية بالهمّ الداخلي تعنى بالخارج لجنة اللبنانيين المنتشرين وقد وضعت نظامًا داخليًا لها والتزمت باجتماعات دورية في موضوع الهجرة والانتشار وخدمة العلم وتأثيرها على هجرة الشباب وتسجيل أولاد اللبنانيين المنتشرين وغير ذلك.

ولا يستطيع المتأمل بعمل هذه اللجان وروحيتها الا أن يثق مجدّدًا بأنّها تمثّل في خدماتها وتعليمها  جسر تواصل حضاري وروحي على عكس مما يمكن أن تعنيه عبارة صراع الحضارات الوهمي.

7.       الشأن التربوي: تعنى بالشأن التربوي والثقافي ثلاث لجان ترافق الأولى تعليم اللاهوت في الكلية الحبرية ـ الكسليك، والثانية التعليم المسيحي والثالثة التربية والتعليم والثقافة على المستويين الجامعي وما قبله. وأنشأ المجلس لجنة جديدة للثقافة والممتلكات الثقافية. وقد حقّقت هذه اللجان مبادرات أكثر من أن تحصى منها المؤتمرات التي تحييها، ولجنة التربية تعد حاليًا لاستضافة المؤتمر العالمي للمكتب الكاثوليكي الدولي للتعليم، في لبنان في أيار 2006، وأيضًا المؤتمر الاقليمي الشرق أوسطي. ومن الملفت أن يتم اختيار لبنان لعقد هذين المؤتمرين المهمين. كما أنشأت اللجنة مركزًا لها حديثًا ومجهزًا تجهيزًا عصريًا وانجزت كتابة الشرعة التربوية للتعليم الكاثوليكي في المدارس وأطلقت شبكة برامج التنشئة لأعضاء الهيئة التعليمية وغير ذلك مما ورد في تقريرها المفصل.

ويفيد تقرير لجنة التعليم المسيحي عن اهتمامها باعادة النظر في برنامج التعليم المسيحي في المدارس وفي كتب التعليم كما تواصل مؤتمراتها المنهجية ونشر مجلتها "البشرى" لخدمة معلمي التعليم المسيحي في لبنان والشرق الأوسط.

8.       أما الاعلام والحوار المسكوني والحوار المسيحي الاسلامي، وكلها امور تهدف إلى تحقيق التواصل بين مختلف فئات المجتمع، فقد بيّن تقرير لجنة الاعلام توسع نشاطها وتطور وسائلها بعد أن أضافت جناحًا جديدًا إلى مركزها السابق وتجهيزات حديثة وهي تواصل مهمتها في ترجمة الوثائق البابوية ونشرها وفي التوثيق الذي تعنى به منذ خمس وثلاثين سنة وفي الاشراف على تلفزيون تيلي لوميار ورعاية هيئة "صون القيم" التي أسستها، واحياء المناسبات التي تدخل في مجال عملها، وتنظيم المؤتمر الدولي للجنة العالمية للتلفزيون والراديو والسينما والوسائل السمعية البصرية الذي يعقد في تشرين الثاني 2005.

كما قدمت اللجنة الأسقفية للاعلام تقريرها عن واقع حال التعاون بين المجلس وتلفزيون تيلي لوميار واصغى المجلس إلى مداخلة مفصلة من مديره العام توقف فيها بنوع خاص على الصعوبات الجمة التي يواجهها هذا العمل وعلى حرص القيمين عليه على اتمامه بالأمانة المطلقة للكنيسة ولرؤسائها. فتوقف المجتمعون على هذا الموضوع الهام مليًّا، وثمنوا رسالة هذ الوسيلة الاعلامية ولاحظوا تطورها واقبال المشاهدين عليها بارتياح، وجددوا الالتزام ببروتوكول التعاون معها لمدة ثلاث سنوات جديدة، على أمل تحقيق مشاركة أعمق من قبل المجلس في ما يتعلق باختيار البرامج ومستواها. ولكنّهم استنكروا ما تعرضه بعض وسائل الإعلام من مشاهد مثيرة مضرّة بالآداب والأخلاق.

ولجنة العلاقات المسكونية تمكنت من أن تعزز جو التلاقي بين مختلف الكنائس في كل الحقول الروحية والراعوية والعقائدية وقامت ببادرات جامعة أخصها احياء أسبوع الصلاة السنوي من أجل وحدة المسيحيين واعداد كتاب تعليم ديني مشترك مسكوني للصفوف كافة.

وقامت لجنة الحوار الاسلامي المسيحي بعدّة مبادرات مشتركة مع المسلمين أخصها المشاركة بندوات ومحاضرات ومناسبات اجتماعية بروح التلاقي والتعارف مع احترام الفوارق، ولا شك ان قيمة مثل هذه الاعمال انما هي بالقصد الذي من ورائه وجله قبول الآخر بمودة.

9.       الشأن الإجتماعي: يعاني المواطنون من الوضع المعيشي المعروف مما يثير مسائل تقتضي المعالجة، ومنها مسألة عودة المهجرين التي تعنى بها لجنة "عدالة وسلام" وقد قامت هذه اللجنة بدراسات ومداخلات في الإعلام ووضعت في تصرف المراجع المعنية معلومات واقعية ومتينة تبين أن عودة المهجرين ولاسيما المسيحيين أبعد من أن تكون ناجزة فيما يقتضي إقفال هذا الملف.

أمّا اللجنة الأسقفية للشؤون الاجتماعية المعنية بتنسيق المساعدات الراعوية والإجتماعية والإنمائية في لبنان وحيال المؤسسات الكنسية المموّلة فقد قامت برسالتها بما أظهر وحدة سعي الكنيسة في لبنان وكسب ثقة الجمعيات المانحة.

وفي إطار العمل الإجتماعي أيضًا حققت لجنة الخدمات الصحية مهمّتها واهتمت بنوع خاص بالإحتفال باليوم العالمي للمريض سنويًا، وبترجمة وطبع رسائل البابا بهذا الموضوع وبإستخدام وسائل الإعلام لتحقيق مهمّتها وزيارة المرضى وإقامة علاقات خاصة مع أصحاب المستشفيات والأطباء والممرضين من أجل المريض والحفاظ على مبادئ الأخلاق المسيحية في هذا المجال.

وتظل كاريتاس لبنان التي تخدم الشأن الإجتماعي في مختلف مجالاته الرائدة والأكثر قدرة. وقد دل التقرير الذي رفعته إلى المجلس على حيويتها وعلى سعيها الحالي لتوطيد علاقات التعاون مع كل مثيلاتها في بلدان أوروبا لتعزيز نشاطها المحلي ما استطاعت.

ثم تداول أعضاء المجلس في ما عرض عليهم من وضع كاريتاس لبنان وحاجتها إلى ملء مراكز شاغرة لديها فتم انتخاب نائب لرئيس هذه الرابطة ومرشد عام ومندوبين عن عدّة أبرشيات وعن الرهبانيات.

10.     واستدلّ الحضور من هذه التقارير عامة على أهمية العمل المشترك بين سائر المراجع الكاثوليكية في لبنان على تعدّدها وتبينوا في روح المحبة والتعاون التي تنعشه عطية من عطايا الروح القدس للكنيسة الواحدة، وشكروا لكلّ أعضاء اللجان المختلفة والمتطوعين معها في عمل الخدمة التزامهم السخي وروحهم الكنسية؛ وقد نوه رؤساء اللجان بهذا الالتزام معربين عن تقديرهم، وسرّهم أن يلمسوا أن كلّ لجان المجلس تستوحي اهتماماتها من اهتمام يسوع بالناس وهو الذي أحبّ الناس وأتى "لكي تكون للناس الحياة وتكون لهم بوفرة" (يوحنا 10/10). بعد ذلك أعيد اختيار رؤساء ونواب رؤساء اللجان وكلهم من أعضاء المجلس.

11.      وفي الختام، يؤكّد الآباء أن الساعين الى ترويج نظرية صراع الحضارات يريدون أن يزجّوا الدين فيه، والدين من هذا الصراع براء. ولا يجوز أن تجرّ الحرب في العراق والصراع الإسرائيلي العربي الفلسطيني الى إذكاء روح العداء بين المواطنين وبخاصة بين المسيحيين والمسلمين في البلاد العربية. فكلّنا، مسيحيين ومسلمين، في صفّ مصيري واحد، وعلينا أن نتشبّع من إيماننا لأجل مستقبل أفضل لأجيالنا الطالعة ولأجل تحقيق العدل والسلام في شرقنا العزيز وهو مفتاح السلام للعالم بأسره.

هذا، ويدعو المجلس رعاة الكنيسة ومؤمنيها الى المشاركة الفعلية في سنة الافخارستيا المقدّسة التي أعلنها قداسة البابا يوم افتتاح المؤتمر القرباني الدولي الثامن والأربعين في المكسيك في 10 تشرين الأول 2004، وموضوعه: "الإفخارستيا نور وحياة الألفية الجديدة"، وهي تمتدّ حتى انعقاد دورة سينودس الأساقفة العادية في روما في تشرين الأول 2005، وذلك من خلال نشاطات تقوم به الرعايا والحركات الرسولية.

12.     ومع اقتراب عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة ندعو جميع اللبنانيين الى رفع عقولهم اليه تعالى ويتكاتفوا لإنقاذ وطنهم ممّا يتخبّط فيه من مشاكل وأبرزها البطالة، وهجرة الأدمغة، والضيق الاقتصادي وهذا كلّه يدعوهم الى نبذ التفرقة والعمل مجتمعين على اجتياز هذه المرحلة الصعبة بالتضامن والتعاون للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني، وذلك بمساعدة القادرين من بينهم إخوانهم المعوزين والمؤسسات الخيرية ليفرحوا معًا بعيد الميلاد، فلا يكون هناك من يهزجون ويفرحون وإلى جانبهم من ينوحون ويبكون.

ويتّجه المجلس مجتمعًا بالقلب والفكر نحو جميع أبنائه حيثما وجدوا في لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار ولاسيما في الأراضي المقدّسة وفي العراق بأطيب المشاعر الأبوية رافعًا صلواته إلى الله من أجلهم ولكي يعيد الله عليهم وعلى مواطنيهم جميعًا هذه الأعياد بالخير والبركة والسلام وهو يشارك قداسة البابا يوحنا بولس الثاني قلقه على مستقبل السلام في هذا الشرق العزيز وعلى مصير الكنيسة فيه فيما نتلقى بشديد الأسف والاستهجان اخبار تفجير الكنائس والاديار دون ما ذنب من أهلها في بلد طالما اعتبر مهد الحضارات القديمة. غير أن أهل المودّة والصلاح من كل جانب، والذين يخافون الله ويضرعون إليه كثر، فإياه نسأل أن يستجيب دعاءهم ودعاءنا من أجل الإنسان والقيم العليا وعيش مخافته تعالى، فيتحقّق ما جاء في النشيد الملائكي "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة".

* * * * * *