البيان الختامي

للدورة السادسة والثلاثين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان

بكركي، في 16 تشرين الثاني 2002


مقدّمة

1.       عقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنويّة العاديّة السادسة والثلاثين في بكركي، من يوم الاثنين 11 تشرين الثاني 2002 إلى يوم السبت 16 منه، برئاسة صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار نصرالله بطرس صفير الكلّي الطوبى، ومشاركة صاحبي الغبطة مار اغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، بطريرك السريان الأنطاكي، ونرسيس بدروس التاسع عشر، كاثوليكوس بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك، وسيادة المطران يوحنا حدّاد ممثلاً غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام، بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك لوجوده خارج لبنان، وأصحاب السيادة مطارنة الكنائس الكاثوليكية في لبنان، وقدس الرؤساء العامين للرهبانيّات الشرقيّة، وأعضاء مكتب مجلس الرئيسات العامات للرهبانيات والجمعيّات النسائيّة، وممثلّين عن الرؤساء الإقليمييّن للرهبانيات الرجاليّة. وكان الموضوع العام: التربية في لبنان، واقع وتحديات.

بعد الصلاة ألقى صاحب الغبطة والنيافة، رئيس المجلس، كلمة افتتاحية تناول فيها موضوع التربية «التي تبدأ في العائلة وتتابع في المدرسة، وتستمر في المجتمع»، بكل أبعادها العلمية والروحية، الاجتماعية والخلقية، الوطنية والسياسية.

حضر جلسة الافتتاح سيادة السفير البابوي في لبنان المطران لويجي غاتّي وألقى كلمة حيّى بها أعضاء المجلس، وتوقّف على أهمية المدرسة الكاثوليكية وما تواجه من تحدّيات يفرضها عالم اليوم على العمل الراعوي المدرسي الذي تقوم به الكنيسة، وما ينتظر الشباب من كلمة انجيلية حقّة تحثّ على اقتران المعرفة بالأفعال.

2.       بعد أن تداول الحاضرون موضوع التربية في واقعه وتطلعاته عامة، على صعيد المدارس الكاثوليكية والجامعات والتعليم الرسمي والمهني والتقني والممتلكات الثقافية من خلال محاضرات ألقاها أخصائيون، ومناقشات في حلقات حوار، تدارسوا شؤونًا إدارية في ضوء تقارير اللجان الأسقفية المنبثقة من المجلس، والمؤسسات والأجهزة التابعة له، واتخذوا بشأنها التدابير اللازمة مع مقررات وتوصيات، وأصدروا في ختام الدورة البيان التالي:

أولاً: مبادئ عامة

3.       يؤكد الارشاد الرسولي، «رجاء جديد للبنان»، ان «للكنيسة، في المجال التربوي، تقليداً ينبغي حمايته»، بحيث يتميز «بالتعليم النوعي» و«شهادة حياة نوعية»، يمكنان الاجيال الجديدة من اكتساب «نهج حياتي متصف بفن وطريقة مسيحية للعيش في المجتمع» (فقرة 106). ان الثقافة التي تقرن العلم بالتربية، تكون ثقافة حقاً اذا تناولت الانسان بكليته، بحيث يصبح هذا الانسان اكثر انساناً (خطاب البابا يوحنا بولس الثاني في الاونيسكو سنة 1980). ذلك ان العلم يرمي الى صقل العقل بما يختزن صاحبه من معرفة، والتربية الى صقل الارادة بالفضائل والاخلاق. وفوق ذلك ينبغي، على ما يدعو اليه المجمع الفاتيكاني الثاني، «الاهتمام بالتربية الوطنية والسياسية ليتمكن المواطنون جميعهم من ان يقوموا بدورهم في حياة الجماعة السياسية، وهذه التربية هي اليوم ضرورية للشعوب كافة  وللشبان على الاخص» (الكنيسة في عالم اليوم، 75/5)، لكي تتوفر لهم اسباب الحياة والرجاء. «فان مستقبل البشرية هو في ايدي اولئك الذين يكونون قد استطاعوا اعطاء الاجيال الطالعة مثل هذه الاسباب» (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، عدد 1917).

4.       لكي تكون المدرسة أمينة لرسالتها، ينبغي عليها ان توفر التربية الكاملة لشبابنا، بحيث تؤمن لهم المعرفة الواسعة والعميقة وتزودهم في الوقت عينه المبادىء الاخلاقية والروحية. والغاية من هذه المعرفة والمبادىء ان يتمكن الشباب من الانخراط في الجماعة المسيحية التي ينتمون اليها، ومن التحلي بالوطنية المسؤولة وروح الحوار واحترام التنوع والتفاني في خدمة الخير العام، وان يستشرفوا مستقبلهم بصفاء ورجاء، ويكونوا حقاً ثروة كبيرة لبلدهم وقوة تجددية في الكنيسة والمجتمع.

5.       ان مؤسساتنا التربوية الكاثوليكية مدعوة الى مواجهة ما يميز عصرنا من تحديات في تحولاته المستمرة وانجازات التقدم التقني المدهشة. فينبغي على المربين، في المدارس والجامعات، ان يوفروا للاجيال الجديدة تنشئة تشمل كامل الشخص البشري وتنمي كل طاقاته الطبيعية والعقلية والادبية، وان يساعدوهم على قراءة «علامات الازمنة» واكتساب فن التمييز، «ويؤهلوهم كي يعملوا بشكل فعال لخير المدينة الارضية ونشر ملكوت الله» (البيان المجمعي في التربية المسيحية، 8). وتقتضي تنشئة كامل الشخص البشري ان تنمي في الاشخاص التوق المتأصل فيهم الى الله، فالمعرفة دربنا الى الله، لان الخليقة بأسرها وتطوراتها والتقدم العلمي المستمر والاكتشافات الحديثة المذهلة وسائر مستجدات التاريخ تشكل كلها جزءاً لا يتجزأ من التدبير الالهي الرامي الى اعطائنا «الحياة الابدية وهي ان نعرف الله» (يو 17/3). فلا بد من بناء الانسان الداخلي، «لاننا نعرف الله من العودة الى ذاتنا» (القديس اغسطينوس).

6.       من الحاجات الملحة اليوم ارساء سياسة تربوية تهدف الى توعية شبابنا على مسؤولياتهم تجاه مجتمعهم وكل المجتمعات، وهي تعاني الكثير من المآسي مثل: التعصب والارهاب والعنف والازمات السياسية والاقتصادية والبطالة والامراض الخبيثة والحروب وازدياد الفقر واتساع الانفاق على اقتناء المعدات الحربية وتجارة المخدرات بما يفوق ألف ومايتي مليار دولار اميركي سنويًا، بينما تعتبر مؤسسة الاونسكو ان اربعة مليارات تكفي لتأمين التعليم الابتدائي لجميع اطفال العالم. وما القول عن مأساة الجوع ومخلفاته وهي عملية قتل جماعي متعمد يحصد يومياً 35.615 طفلاً حسب احصاءات منظمة «الفاو» في العام الماضي، ومئة الف شخص حسب لجنة شؤون التغذية لدى الامم المتحدة، التي توضح ان امكانيات الارض تكفي لتغذية اثني عشر مليار نسمة اي ضعف عدد سكان الارض الحاليين. وعليه لم يعد السؤال المطروح اليوم: ما العمل للسيطرة على الكون، بل كيف علينا ان نوجّه السيطرة عليه؟ والجواب يأتينا من كلمة الله وتعليم الكنيسة.

7.       امام هذا الواقع، ندرك ان الانسان هو الرأسمال الاساسي في العالم وليس الثروات المادية. ولذا لا بد من اعداد المعلم ليكون على مستوى خصائص عصرنا، وابرزها: الثورة العلمية والتكنولوجية، والعولمة، والديموقراطية وحقوق الانسان، واستمرار التباين بين الدول الغنية والدول الفقيرة الذي يتسبب بتراجع الديموقراطية وتعدد الثورات في العالم، والتلوث البيئي وما يجرّ من اخطار على الحياة البشرية. وحدها التربية، بما تسلح الاجيال من معارف وقدرات ومهارات وقيم، تمكننا من مواجهة تحديات العصر. ولهذا تتسابق الدول للاستثمار في حقل التعليم. فمن الضرورة اعادة النظر في اعداد المعلم والاهتمام به نظرًا الى ما له من تأثير كبير في العملية التربوية، وتنمية شخصيته بشكل متكامل، ضمن استراتيجية واعية لمواجهة التحديات المطروحة.

ثانياً : المدارس الكاثوليكية

8.       اعتمدت الكنيسة في لبنان منذ أكثر من أربعماية سنة المدرسة وسيلة فضلى لتحقيق الرسالة الانجيلية ولتوفير التعليم النوعي. فأسهمت اسهاماً كبيراً في بناء المجتمع والنهضة الثقافية في لبنان والمنطقة. غير ان تحديات كبيرة تواجه اليوم المدرسة الكاثوليكية، وتعرقل اهدافها والغايات المرجوة، نذكر منها: الازمة الاقتصادية والعجز عن خدمة الفقراء، تردي الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدافعة الى الكفر بالوطن، الهجرة بسبب اليأس والاحباط، التناقض بين مثاليات المدرسة وتدني القيم في المجتمع، صعوبة تقديم رؤية للانسان والتاريخ ينيرها الايمان وحياة خلقية قويمة بسبب تعدد التيارات التي تفرض سلوكيات تتعارض مع هذه الرؤية. وتعاني المدرسة الكاثوليكية مع سائر المدارس الخاصة من العلاقة الشائكة مع مؤسسات الدولة بسبب الوضع السياسي والاقتصادي الذي يلقي بثقله على التربية، وبات يطغى على السياسة التربوية طابع المصلحة الفردية والحزبية والمناطقية والطائفية: إن هذه المعاناة مرتبطة بتشعّب القوانين والمراسيم والقرارات والتعاميم الوزارية وعدم التقيّد بها دائمًا. إنّ المجلس يكل الى الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الاهتمام باسمه بمعالجة هذه المعاناة، وتصحيح العلاقة مع مؤسسات الدولة، وإيجاد آلية للمشاركة الفعلية في رسم السياسات التربوية، على صعيدي الإدارة والمناهج.

9.       فلا بدّ من دعم المدرسة الكاثوليكية لكون التربية رسالة كنسية بامتياز. ومن الضرورة المحافظة على مؤسساتنا التربوية وتطويرها واعداد المسؤولين والمسؤولات فيها، والدفاع عنها، لما توفر للاجيال الجديدة من مستوى ثقافي وتربوي مرموق، ومن ثقافة لبنانية مميزة بالتربية المنفتحة على التنوع، والتربية الحوارية التي تستقي من الثقافات الغربية والعربية والمشرقية، والتربية على السلام بين الأديان، والتربية التي تتجاوز الانتماء الديني لترسي روح المواطنية، المرتكزة على الانسان بما يتمتع به من حقوق ويلتزم به من واجبات في اطار وطني جامع. ولا بدّ من توجيه كلمة تقدير وتشجيع الى الأسر التربوية، إدارة ومعلمين وتلامذة ولجان أهل في مدارسنا، لما تبذله من جهود وتضحيات في حقل العلم والتربية.

10.     فمن أجل تحقيق المبادىء والحفاظ على رسالة الكنيسة التربوية من خلال المدرسة الكاثوليكية، اتّخذ هذا المجلس التوصيات التالية:

أ.   الإعلان من جديد أن المدرسة الكاثوليكية تحمل رسالة الكنيسة في حقل التربية، ويدعون الأمانة العامة إلى متابعة العمل على تنسيق جهود المدارس من أجل شمولية توزيعها وحسن اداء رسالتها وتحقيق أهدافها وغاياتها.

ب.  التأكيد ان المشاركة في رسم السياسات التربوية مسؤولية كنسية ووطنية، والإعلان أنّ الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية تمثّل المجلس في هذا المجال، ومطالبة المسؤولين بإشراك هذه الأمانة بشكل دائم وفعّال في رسم هذه السياسات وفي تحديد سبل تحقيقها.

ج.  الثناء على مبادرات التعاون التي تقوم بها الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية مع المؤسسات التربوية الخاصة والرسمية على انواعها، ويرى المجلس في ذلك خدمةً من أجل تحسين نوعية التعليم في قطاعيه، ومساهمةً في تطوير ثقافة الحوار والعمل المشترك.

د.  الطلب الى جميع المشاركين والعاملين في إطار الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية متابعة عملهم في المجالات التالية:

1.   تطوير هيكلية التعاون في قلب كل مجموعة من مجموعات المدارس الكاثوليكية من أجل توحيد خطتها التربوية وتواصلها.

2.   تنظيم عناصر الأسرة التربوية من التلاميذ وأوليائهم والمعلمين والقدامى واشراكهم في العملية التربوية.

3.    تنظيم إعداد وتدريب مشترك لأفراد الهيئتين الإدارية والتعليمية.

4.   التخطيط لإنشاء مؤسسات تربوية تعنى بذوي الحاجات الخاصة (التفوق، الإعاقة،...) والبحث عن صيغ حديثة لتربيتهم.

5.   تقاسم إختصاصات البكالوريا بين المدارس الكاثوليكية المتجاورة.

6.   التنسيق في فتح أو إقفال أية مدرسة كاثوليكية.

هـ. مشاركة أولياء التلاميذ والإدارات المدرسية في قلقهم من جراء الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، والثناء على مبادرات صناديق التعاضد القائمة والتشجيع على تطويرها وإنمائها.

و.  الطلب الى السلطات المعنية:

1.      الإسراع في صرف الأموال المستحقة للمدارس المجّانية ودفعها في وقتها.

2.   تطبيق إلزامية التعليم ومجانيته وتأمين نفقات التعليم بما يؤمن المساواة بين القطاعين الرسمي والخاص. وبذلك تتحقق حرية إختيار الوالدين للمدرسة التي تتناسب مع قناعاتهم.

3.   المطالبة بإنشاء مجلس استشاري وطنيّ للتعليم ما قبل الجامعيّ، يتمثّل فيه القطاعان الرسميّ والخاصّ، وتزويده ما يلزم لممارسة صلاحياته في كلّ ما يتعلّق بالمناهج والبرامج والسياسة التربويّة العامّة.

ثالثًا: الجامعات والتعليم العالي

11.     واكبت الكنيسة حاجات العصر العلمية، وباشرت بانشاء جامعات كاثوليكية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وطيلة القرن العشرين، من اجل تأمين التعليم العالي والاختصاصات الجامعية على اختلاف قطاعاتها. فأسهمت إسهامًا كبيرًا في جعل لبنان رسالة في محيطه، تميزت بالعلم والحرية والديموقراطية والانسنة والحوار والتنوع في الوحدة. للكنيسة الكاثوليكية اليوم في لبنان سبع مؤسسات جامعية يجري التشاور والتعاون فيما بينها بواسطة «مجلس التنسيق بين المؤسسات الكاثوليكية للتعليم العالي في لبنان». نأمل أن يحقّق هذا المجلس المزيد من التنسيق المثمر بين هذه المؤسسات ووزارة التربية والتعليم العالي.

12.     وتأثّرت الجامعة الكاثوليكية بالأزمة الاقتصادية في أدائها وإنتاجيتها ووهجها ورسالتها. فقد ضعفت موازنة الأبحاث وقلّ التفرغ على مستوى الاساتذة، وفقد العديد من الطلاّب حرية اختيار الجامعة والاختصاص. وكانت المطالبة بالقيام بمبادرات لدعم المجتمع اللبناني في مواجهة ازماته الاقتصادية، لكي تظل الجامعة في متناول شبابها.

غير أن هذه المؤسسات الجامعية أدّت في الماضي وتؤدّي حاليًا، في ظروف اقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة، خدمات جلّى على مختلف الصعد، لجهة إعداد الطلاب والدفاع عن الحريات وتعزيز ثقافة العيش المشترك. وفيما نثني على جهود إداراتها وأساتذتها، ندعوهم الى مضاعفتها لمواجهة التحدّيات الراهنة والحفاظ على المستوى والجودة والنوعية، والى المزيد من الشهادة والعطاء.

13.     وتضخّم التعليم العالي والجامعي في لبنان أثناء الحرب الأخيرة وبعدها، فكانت كليات ومعاهد وجامعات بلغ عددها اليوم 42 مؤسسة، دون أن تتطور سياسة هذا التعليم. فإذا بمعظم الجامعات ذات مرجعية مذهبية، والجامعة اللبنانية المعتبرة حاضنة للتعليم العالي الرسمي، رهينة التيارات الحزبية والسياسية والطائفية. فلا قانون للتعليم العالي سوى ذاك الصادر في 26 كانون الأول 1961 وبعض المراسيم الوزارية التنظيمية الصادرة سنة 1996، غير أن السلطة السياسية تجاوزت هذه الأنظمة ومنحت رخصًا بصورة عشوائية خالية من أيّة معايير. إنّ الحاجة ملحّة لتحديد المفاهيم التربوية للتعليم العالي، ولوضع خطّة مستقبلية لهذا التعليم، بحيث تجسّد الجامعة في لبنان، كلّ جامعة، الحرية التي نصّ عليها الدستور، وتؤمّن لأساتذتها وطلاّبها القدرة على الانتماء الوطني والتعبير والحوار.

إنّ المجلس يطالب باستقلالية مثلّثة الأبعاد للجامعات: استقلالية عن السياسات الحاكمة أو المعارضة أو الحزبية، واستقلالية عن التيارات الدينية والطائفية، واستقلالية عن الارتهان الاقتصادي، من أجل أن يكون التزام الجامعة، الى جانب العلم والثقافة، في خدمة الوطن والقيم الدينية والنموّ الاقتصادي.

14.     وثمّة مشكلة في العلاقات بين وزارة التربية والتعليم العالي ومؤسسات التعليم العالي الخاصة، توجب إعادة النظر في تأليف مجلس التعليم العالي، وقد أصبح مرجعًا وحيدًا ومطلق الصلاحية،  وإدخال تعديلات جوهرية على آلية عمله لإصلاح الخلل الفادح والفاضح الذي يشوب تكوينه الحالي وممارساته، وتوجب عدم جواز الترخيص بإنشاء مؤسسات للتعليم العالي تتوخّى الربح، وبتوسيع صلاحيات اللجنة الفنية التي تأسست في 7 تشرين الأول 1996 بالمرسوم 9274، وهي معنية بتنفيذ الشروط والمواصفات والمعايير المطلوبة للترخيص بإنشاء المؤسسات الخاصة للتعليم العالي وباستحداث كلية أو معهد في مؤسسة قائمة والتقيّد بتوصياتها.

15.     ويتطلّع آباء المجلس باهتمام الى الجامعة اللبنانية، وهي أحد العناصر الأساسية لتطوير البلاد، ومرفق هام يتغذّى من مالية الدولة. فمن حقّ جميع الفئات اللبنانية الإفادة بالتساوي من هذه الجامعة الوطنية، والمشاركة في مسارها ورفع شأنها ومستواها، والمحافظة على التوازن في مسؤولياتها الإدارية والتعليمية. ومن الضرورة بالتالي وجودها في جميع المناطق اللبنانية تحقيقًا للاّمركزية والإنماء المتوازن ومبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وحرية الاختيار. ومعلوم أن الوحدة الوطنية، التي ينبغي أن تسعى اليها الجامعة، لا تقوم على تجميع أبنيتها وكلياتها الجغرافي، بل على الثقافة الحقّة وتنشئة الشباب على التراث اللبناني، وعلى تربية تعزز الانتماء الوطني وتعمّق الشعور بالواجب تجاه الوطن.

16.     ومما يشغل البال الهيمنة السياسية على الجامعة اللبنانية التي تعطّل التمثيل الأكاديمي الصحيح فيها، وتتسبّب بهدر المال العام الناتج من حشر الموظفين والأساتذة حيث لا حاجة اليهم، وتوقع الخلل في القوانين والاعراف الأكاديمية المختصة بالتعيينات، وتفرض قانونًا للجامعة دون استشارة المعنيين ولا سيما مجلس الجامعة والهيئات التمثيلية، الأمر الذي يؤدي الى تدنّي المستوى الأكاديمي والعلمي وغياب المفاهيم الحديثة والمتطورة للتعليم العالي التي تعززها منظمة الأونسكو.

17.     في ضوء هذه المعطيات يتّخذ المجلس القرارات والتوصيات التالية:

أ.   منح «مجلس التنسيق بين المؤسسات الكاثوليكية للتعليم العالي في لبنان» صفةً رسمية وثمثيليّة تجاه كلّ الهيئات التربوية بما فيه المراجع الرسمية المعنية. ودعوة المؤسسات الكاثوليكية للتعليم العالي والهيئات المسؤولة عنها إلى التقيّد بنصوص نظامه والمساهمة في تفعيله.

 والطلب إلى «مجلس التنسيق» أن يتعاون مع الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، لوضع شرعة تربوية متكاملة، انطلاقًا من رؤية الكنيسة، تشمل مراحل التعليم العام والجامعي والمهني والتقني في ضوء الواقع اللبناني وسوق العمل.

ب. الحرص التام على سلامة الجامعة اللبنانية واستقلاليتها وفقًا لأنظمتها، ومطالبة أصحاب القرار بتحصينها تجاه كلّ التدخلات السياسية والحزبية والطائفية التي تعيق تطوّرها وتؤثر سلبًا على المستوى الأكاديمي والعلمي ومفاهيمه الحديثة الصادرة عن منظمة الأونسكو، وباعتماد اللامركزية في نشر الجامعة على أرض الوطن، بحيث تحظى كل محافظة بمجمّع جامعي وطني متكامل أو أكثر، من أجل المساواة بين المواطنين في حرية الاختيار، وبين المناطق.

ج. فيما يشارك أعضاء المجلس إدارات الجامعات والطلاب وأولياءهم في همومهم الناجمة عن تفاقم الأزمة الإقتصادية، يدعون الدولة إلى تحمّل المسؤولية لتخطي هذه الصعاب. وفيما يذكّرون بتوصية الإرشاد الرسولي «بألاّ يقطع أي شاب تحصيله الجامعي لأسباب مالية» (فقرة 107)، يثنون على المبادرات المشكورة التي تقوم بها الجامعات والمؤسسات الاجتماعية في هذا المجال، ويدعون «مجلس التنسيق» إلى التشاور مع الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية والمؤسسات الكنسية الاجتماعية لوضع دراسة لتطبيق ما ورد في الإرشاد الرسولي بهدف تأمين المساعدات للطلاب المحتاجين وتأكيد روح التضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

د.  تعزيز العمل الرعوي الجامعي ودعم نشاطاته في مختلف مؤسسات التعليم العالي في لبنان، الرسمية والخاصة، وإشراكه في المشروع التربوي في كلّ جامعة كاثوليكية. وهذا يقتضي إعداد مرشدين جامعيين من كهنة ورهبان وراهبات، وتغطية المستلزمات المادية للمرشدين من قبل الجامعات الكاثوليكية والقيّمين عليها. والدعوة الى تطبيق مشروع «راعوية المهن» الذي أعدّه «خريجو العمل الراعوي الجامعي»، والطلب إلى «مجلس التنسيق» وضع آلية لتنفيذه بالتعاون مع المجلس الرسولي العلماني.

هـ.  دعوة المؤسسات الكاثوليكية للتعليم العالي الى التعاون مع مثيلاتها غير الكاثوليكية، الرسمية منها والخاصة، بهدف تكامل الاختصاصات وتطوير التعليم العالي وتأمين المستوى المنشود، والسعي الى المشاركة في إعداد القوانين والمراسيم المختصة به، وفي رسم سياسته التربوية الوطنية بأبعادها المختلفة. والطلب إلى هذه المؤسسات الكاثوليكية وضع إمكانياتها الثقافية والبحثيّة بتصرف مجلس الرئاسة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك للقيام بالدراسات المطلوبة.

و.  المطالبة بإعادة النظر في تأليف «مجلس التعليم العالي»،  وفق صيغة متوازنة تضمن تمثيل مؤسسات التعليم العالي في القطاعين الرسمي والخاص، ومشاركة الإدارات الحكومية والهيئات المجتمعية ذات العلاقة، فيصبح حقًا مجلسًا وطنيًا للتعليم العالي.

رابعًا : التعليم الرسمي

18.     لا شكّ في أن التربية هي الحاجة الثانية بعد الخبز، لأنّها الضامنة للنموّ المتناسق لقوى الجسم والعقل والروح. واليوم، نرى أنّ من أهم العناوين التي تطرحها المؤسسات الانمائية على الساحة الدولية عنوان التربية والتعليم وبناء الانسان. وبما أنّ التعليم الرسمي في لبنان يضمّ تقريبًا نصف الطلاب اللبنانيين على المستوى الأكاديمي والمهني والتقني والجامعي، فإنّ الكنيسة توليه اهتمامًا كبيرًا وتعمل على دعمه وتعزيزه، وقد كان الضحية الأولى لتدهور الضوابط العامة التربوية والأكاديمية وخاصة من جرّاء الأحداث التي عصفت بلبنان.

19.     على الرغم من المناهج الجديدة، في المدرسة الرسمية، التي أحدثت تعديلات جوهرية في التعليم العام، والجهود التي تُبذل ثمّة ملاحظات وانتقادات متنوعة ت