|
البيان الختامي
للدورة الثامنة والعشرين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان
دار سيدة الجبل - فتقا، في
17 كانون الأول 1994
أولاً : مقدّمة
عقد
مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية لعام 1994 في دار سيّدة
الجبل لراهبات العائلة المقدسة المارونيات، في بلدة فتقا، وقد امتدّت من يوم
الاثنين في الثاني عشر من شهر كانون الأوّل الى يوم السبت في السابع عشر منه،
برئاسة صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير ومشاركة
أصحاب الغبطة البطريرك مار اغناطيوس أنطون الثاني حايك، والبطريرك مار يوحنا بطرس
الثامن عشر كسباريان، ومثّل البطريرك مكسيموس الخامس حكيم معاونه البطريركيّ سيادة
المطران يوحنا منصور، وأصحاب السيادة مطارنة الكنائس الكاثوليكية في لبنان والرؤساء
العامين للرهبانيات والجمعيات اللبنانية وممثلين عن الرؤساء الإقليميّين وممثلتين
عن مجلس الرئيسات العامات للرهبانيات النسائية.
افتتح المجلس دورته بقدّاس مشترك حسب طقس الكنيسة المارونية احتفل به صاحب الغبطة
والنيافة البطريرك الكردينال مار نصرالله بطرس صفير بمشاركة صاحبي الغبطة وأصحاب
السيادة والآباء. وبعد القدّاس استمع المجلس في قاعة الاجتماعات الى غبطة رئيسه في
كلمة افتتاحية والى سعادة السفير البابوي بابلو بوانتي، الذي دُعي الى جلسة
الافتتاح. ثمّ أعطي الكلام لصاحب النيافة الكردينال يان سكوته، الأمين العام
لسينودس الأساقفة الذي حضر جلسة الافتتاح، فعرض على الآباء المراحل التي قطعتها
وثيقة «الخطوط العريضة» للجمعية الخاصة للسينودس من أجل لبنان وما تبقّى من العمل
لتحضير وثيقة «ورقة العمل» حتى انعقاد الاجتماعات الفعليّة للسينودس.
وقدّم الآباء التهاني لصاحبي النيافة الكاردينالين صفير وسكوته بالرتبة
الكردينالية. ثمّ وجّهوا برقية الى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في مناسبة
انعقاد الدورة.
بدأ
المجلس أعماله ببحث موضوع الدورة وهو بعنوان: "العيلة وتحديات العصر".
وناقش التقارير، التي قدمتها لجانه الأربع عشرة وفي مقدّمها الهيئة التنفيذيّة،
وعالج أمورًا إداريّة وتنظيميّة على ضوء هذه التقارير وعرض الشؤون الوطنيّة الهامّة
واختتم الدورة بالبيان التالي:
ثانيًا : العيلة وتحدّيات العصر
تمحورت أعمال المجلس خصوصًا حول الأسرة في مناسبة السنة العالمية المكرّسة لها،
فاستعرض الأعضاء وناقشوا تقارير قدّمها أخصّائيون في موضوع الأسرة من مختلف
جوانبها: الروحيّة والاجتماعيّة، والتربويّة، وما يختصّ بموضوع الإنجاب واحترام
الحياة. فأكّدوا أن الأسرة هي نواة الكنيسة، بل «كنيسة منزلية» لا قيام للكنيسة
الجماعيّة بدونها، وهذا يعني ان مفهوم الزواج كسرّ مقدّس هو ما يصون الحب البشري
ويعطيه عمقه الكياني من حيثُ كونُه وسيلة الانجاب، ويؤمن استقرار الفرد والمجتمع
وديمومتهما. هذا السرّ، المبني على علاقة المسيح والكنيسة، يستطيع وحده أن يكون
مصدر حياة لأنه الحب الحقيقي بمعناه الأسمى.
ولاحظ الآباء من جهة، أن واقع الزواج المسيحي في لبنان بات مهدّدًا بالأخطار. ممّا
يستدعي جهودًا مكثّفة من قبل الكنيسة للتذكير بقدسية الزواج والتركيز على قيمه
الثابتة، وذلك بالتوعية والتوجيه في الرعايا والأبرشيات. ولاحظوا من جهة ثانية أن
هناك إحجامًا عن اقتبال سرّ الزواج لدى الشبّان والشابّات يعود عامةً الى الصعوبات
الاقتصادية التي تعانيها الأسرة اللبنانية، المتمثّلة خصوصًا بالمشكلة السكنية
وأكلاف التعليم والاستشفاء، مّما تسبّب بخفض الولادات. وستواصل الكنيسة ما تبذله من
جهودٍ ومبادراتٍ اجتماعية وإنمائية.
ومن
الناحية التربوية شدّد المجتمعون على أهمية الأسرة من حيث كونها حاملة التراث
وناقلة الإيمان، وهي بالتالي العامل الاساسي في تكوين هوّيتنا الجماعية والحضارية
والدينية مما يستدعي تحصينها من المخاطر التي تُهدّدها. وفي الواقع فقد أثّر
التهجير والهجرة وما رافقهما من أحداث أليمة على الأسرة اللبنانية في وجودها، وعلى
بنيتها بتشتّت أفرادها وإضعاف سلطة الوالدين فيها. وأثّرت البطالة والصعوبات
المعيشية على مستقبلها. وهي تواجه ما يعمل على زعزعة تراثها وتقاليدها عن طريق
وسائل الإعلام التي يشجّع بعضها على الإباحيّة في مجال الجنس والعنف والتحلّل من
الضوابط الأخلاقيّة ويشكّل الخطر الأكيد على القيم التربوية اللبنانية والمسيحية
مما يقودنا الى حضارة الموت .
إزاء
ما يشهده مجتمع اليوم من انهيار للقيم لا يمكن الكنيسة، وهي ضمير المجتمع، الاّ أن
ترفع صوتها، مذكِّرة أنّ الحبّ الزوجي المسؤول يؤمّن الإنجاب والتكامل والسعادة،
وهو وحدَه يحفظ كرامة الفرد والمجتمع. والكنيسة تقدّر وتبارك ما تقوم به الأُسر
المؤمنة والجماعات المسيحيّة الملتزمة من جهودٍ للحفاظ على قدسيّة الزواج وكرامته.
واتّخذ المجلس قراراتٍ ترمي الى تعزيز الأسرة عن طريق خلق بنى متكاملة ضمن هيكلية
موحَّدة بإشراف السلطة الكنسيّة الممثَّلة باللجنة الأسقفية للشؤون العيلية،
وبتضافر جميع المؤسسات الكنسية: المدارس والمستشفيات، والجامعات والحركات الرسولية
والمراكز الأخرى التي ترعى أمور الأسرة.
ثالثًا : شؤون وطنيّة هامّة
1) الأزمة الاقتصاديّة
لا
شكّ أنّ لبنان يشكو أزمة اقتصادية خانقة تُرهق خاصةً كاهل الطبقات الشعبيّة التي
تحتاج الى خدمات اجتماعية أساسيّة كالعمل والسكن والتعليم والتطبيب... وهذا ما
يحمّل الدولة مسؤوليةَ تلبيةِ هذه الاحتياجات.
2) العمّال
إن
الكنيسة تولي العمّال اهتمامًا خاصًا. فعلى سواعدهم يُبنى المجتمع والوطن. لذلك
يطالب الآباء الدولة وأرباب العمل بإنصافهم وتقدير جهودهم وتأمين الضمانات والخدمات
الاجتماعيّة لهم، صونًا لحقوقهم وكرامتهم.
3) المدارس
أكّد
الآباء مجدّدًا، أنّ المدرسة الكاثوليكيّة هي مؤسّسة كنسيّة، تلتزم رسالة الكنيسة
وتعاليمها وتعمل «لخدمة الجميع» وتهدف إلى تكوين أسرة تربويّة واحدة غايتها تعزيز
العلم وتربية الطالب على حسن استعمال الحريّة وعلى تنمية حسّ العدالة لديه وعلى
تسليحه بالإيمان بالله والقيم الإنسانيّة والوطنية والأخلاق الفاضلة.
وقد
أبدى الآباء ارتياحهم إلى ما قامت به اللجنة الأسقفيّة للشؤون التربويّة والأمانة
العامّة للمدارس الكاثوليكيّة من خطوات في سبيل تطوير العمل التربويّ وتحسين ادائه
وضبط موازنات المدارس وتشجيع مبادرات التعاون والتعاضد.
كما
عبّر الآباء عن تضامنهم مع اللجنة والأمانة في ما تسعى اليه كلٌّ منهما من أجل
الحفاظ على حريّة التعليم وديمقراطيّته. ولذلك فانّهم، مع تشجيعهم تعزيز المدرسة
الرسميّة، يناشدون المسؤولين:
-
الإقلاع عن السياسة الهادفة الى تحجيم المدرسة الخاصة وإيلاءَها
الرعاية التي تحظى بها لديها المدرسة الرسمية، بمساعدة أولياء الطلاب على إرسال
أبنائهم الى المدرسة التي يطمئن اليها ضميرهم. وهذا حقٌّ لهم ما دام الدستور
اللبناني يضمن حرية التعليم ومن الظلم أن يدفعوا ضريبة التعليم مرتين.
-
التخلّي عن القوانين ومشاريع القوانين المجحفة، والعودة الى
القانون 179/92 الذي وضع الأسس لتحديد القسط المدرسيّ استنادًا الى موازنة
دقيقة، توافق عليه جميع الأطراف وينتهي مفعوله في نهاية هذا العام الدراسيّ.
-
الكفّ عن ملاحقة المسؤولين عن المدرسة الخاصة، كأنهم مجرمون،
وهم مربّون.
-
إشراك القطاع الخاص في رسم السياسة التربوية، لأن التربية ورشة
وطنية، لجميع المعنييّن بها رأيٌ فيها.
-
المحافظة على المستوى الثقافي والعمل على تعزيزه، والثقافة هي
ثروة لبنان، فلا يجوز التساهل في هذا المجال، أيًّا تكن الدوافع والاعتبارات.
4) الضرائب
إنّ
إلزام المؤسسات التي تؤدّي خدمات إنسانية كالمياتم ودور العجزة والمستشفيات
والمستوصفات ومعاهد التعليم والمشاغل والأندية والملاعب دفعَ ضريبةٍ للدولة، بموجب
قانون 11 آب 1994، يُلحق بهذه المؤسسات ظلمًا كبيرًا، ومعلوم أن مثيلاتها تتلقّى
المساعدة من الدولة في كل بلدان العالم، لذلك يأمل الآباء أن يُعاد النظر في هذا
القانون الجائر، وخاصة أن قانون 17 أيلول 1962 كان قد أعفى مثل هذه المؤسسات من
الضريبة.
5) الوفاق الوطني
يرى
الآباء أن عملية الوفاق الوطني، التي تمكّنت من إسكات المدفع وإزالة خطوط التماس
وفتح المجال أمام قيام السلم الأهلي، ما زالت أمام مراحل أساسية هي إزالة الخلل في
التوازن السياسي بين جناحي لبنان، وقيام دولة القانون والمؤسّسات، وتسريع عودة
المهجّرين.
6) محادثات السلام ووضع لبنان
تنشط
دول المنطقة للمساهمة في محادثات السلام الجارية ليكون لها مكان ملائم في النظام
الجديد المنتظر أن يقوم فيها، باستثناء لبنان الذي يؤدّي عنه آخرون هذا الدور، فيما
كان عليه أن يعمل على استعادة حريّته وتنفيذ القرار 425 وأن ينهض بمسؤولية تقرير
مصيره. ولَما كان هذا لِيَحدُث لو وحّد اللبنانيون رأيهم، لذلك يجدّد الآباء الدعوة
إلى التضامن في تحمّل المسؤوليّة والتحلّي ببعد النظر والتجرّد في إصدار الأحكام
والشجاعة في اتّخاذ القرارات وتنفيذها، حتى لا يأتي السلام المرتقب على حساب لبنان
فيوطّن فيه الفلسطينيون. وهذا ما نكرر رفضه مع جميع اللبنانيين، ولا تُقتسم مياهه
مع جيرانه، بينما هو يحتاج اليها وفقًا لدراسات الأخصّائيين في هذا المجال.
7) الأخلاقيّة السياسيّة
إنّ
السياسة سهر على وضع الرعيّة واهتمام بإدارة شؤونها. ومن صفات المسؤول نشر العدل
والعمل في سبيل المصلحة العامّة واحترام حقوق الإنسان، غير أنّ ما يجري من مناورات
ويُثار من فضائح تهزّ الرأي العام وما يُرى من مهاترات ينعكس سلبًا على مستوى
الأخلاق السياسيّة ويضعف هيبة الدولة وينال من مصداقيّة المسؤولين ويسيء إلى سمعة
الوطن إقليميّاً وعالميّاً.
لذا
يوجّه آباء المجلس الدعوة إلى المسؤولين ليترفّعوا عن المهاترات، ويحتكموا الى
القضاء اللبناني لجلاء الأمور للرأي العام، وجدير بالمسؤولين أن يعملوا على إصلاح
الإدارة وتحديثها وتحسين أدائها وأن يجعلوا همّهم الأساسي بناء الدولة والإنسان في
لبنان.
رابعًا : شؤون إدارية
1)
مدّد المجلس للاب خليل علوان مهمّة الأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة
الكاثوليك في لبنان، لمدة سنة واحدة.
2)
أُعيد تعيين الخوري فؤاد الحاج رئيسًا لكاريتاس ـ لبنان، والمحامي جوزف فرح أمينًا
للسرّ لمدّة ثلاث سنوات أخرى، وعيّن المجلس العميد المتقاعد فوزي أبو فرحات نائبًا
للرئيس، والسيّد خطّار طربيه أمينًا للصندوق، والأب عبدالله عاصي مرشدًا وطنيًا.
وتمّ تعيين عشرة أعضاء في مجلس كاريتاس ـ لبنان وهم: ـ السيّد ابراهيم مكرزل ـ
المحامي الياس روفائيل ـ الأب المدبّر الياس زخيا م.م. ـ السيّدة اميلي كوبلي ـ
الأستاذ أنطوان أبي كرم ـ الدكتور أنيس مسلّم ـ المحامي بطرس أرسانيوس ـ الدكتور
جورج الحايك ـ الدكتور جورج سعيد ـ السيّد روفائيل أموديان.
3)
جدّد المجلس للأب جان دالميه مسؤولية المرشد العام للعمل الراعوي الجامعي.
خامسًا: الحياة الرهبانية
توقّف المجتمعون عند الحياة الرهبانيّة، موضوع السينودس الأخير في روما، ودعوا
الشباب الى الالتزام بهذه الحياة. كما تقدّموا بالتهاني من جميع المؤسسات الرهبانية
التي تحتفل هذه السنة بيوبيلها التأسيسي، متمنّين لها المزيد من الشهادة الإنجيلية
الصافية والعطاء الرسولي والنموّ الروحيّ ، في لبنان وشرقنا العزيز.
سادسًا : خاتمة
وفي
الختام يهيب الآباء بالعائلة اللبنانية عامةً والمسيحية خاصةً الى العودة الى عيش
الحقيقة بما فيها من صعوبة، فلا أحد يستطيع تحدّي مشاكل الحياة وصعوبات العيش إن لم
يكن في الحق. فالإيمان بالله وتفهّم الإنجيل تفهّمًا صحيحًا قراءةً وتأمّلاً
وتطبيقًا في الحياة اليومية يدعم جهادنا الروحي والأخلاقي في سبيل صون مقدّسات
العائلة وحرمة الوطن. وليكن ميلاد الرب يسوع لنا فرصة العودة الى الروح المسيحية
الصادقة. وبهذه الروح يستمطر الآباء على العيل اللبنانية أغزر النعم والبركات.
* * * * * * |