البيان الختامي

للدورة الرابعة والعشرين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان

اللويزة، في 28 تشرين الثاني 1987


مقدّمة

عقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية العادية برئاسة صاحب الغبطة مار نصرالله بطرس صفير الكلي الطوبى ومشاركة أصحاب الغبطة البطاركة والسادة الأساقفة وقدس الرؤساء العامين في دير سيدة اللويزة في ذوق مصبح من 24 إلى 28 تشرين الثاني سنة 1987 وقد حضر جلسة الافتتاح سيادة السفير البابوي في لبنان.

افتتح الدورة غبطة البطريرك صفير بكلمة ركّز فيها على الأوضاع الراهنة ونتيجة الزيارات التي قام بها مؤخرًا إلى الفاتيكان وإيطاليا والاتحاد السوفياتي وفرنسا حيث تسنى له عرض القضية اللبنانية من كل جوانبها ولاقى تفهمًا ورغبة في المساعدة لدى المسؤولين من روحيين ومدنيين.

وتلاه سيادة السفير البابوي مؤكدًا على اهتمام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بلبنان مشيرًا إلى القيم والثوابت التي ما انفك الكرسي الرسولي يدافع عنها، ومنها الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والعيش المشترك.

ثم تناول المجتمعون المواضيع المدرجة على جدول الأعمال واستمعوا إلى تقارير اللجان وتمحورت الأبحاث حول أوضاع البلاد الراهنة من نواحيها السياسية والوطنية والاجتماعية والاقتصادية وحول رسالة الكنيسة التربوية والاجتماعية والروحية. كما أعادوا النظر في بعض الشؤون المتعلقة بتنظيم المجلس الداخلي وعمل اللجان المنبثقة منه.

أولاً: أوضاع البلاد

1.      استأثر الوضع المأساوي المتدهور يومًا بعد يوم باهتمام الآباء، وهو وضع يعاني منه اللبنانيون بكل فئاتهم وفي جميع المناطق ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، وقد انعكس على حياة الناس اليومية فأصبحوا لا يستطيعون تأمين معاشهم اليومي لهم ولعيالهم من جراء ارتفاع أسعار الحاجيات ارتفاعًا فاحشًا وتدهور قيمة العملة الوطنية تدهورًا مريعًا.

1. المقاطعة

2.      وجاء هذا الوضع المؤلم نتيجة الشلل السياسي البارز في ما يعتمده المسؤولون من أشكال مقاطعة مجها معظم اللبنانيين واستنكروها أشد الاستنكار لأنها كانت ولا تزال أحد أبرز الأسباب التي جرتّهم إلى ما يتخبطون فيه من محن ومآس ونكبات. وإذا تمادى المسؤولون في إصرارهم على مواقفهم وتنصّلهم من مسؤولياتهم وإلقاء التبعات على سواهم أو أحدهم على الآخر، فإن الوطن سيتفتت فيكونون قد حققوا على رضى منهم مخططات من يتربص به شرا. وحساب التاريخ سيكون عسيرًا.

3.      وتفتيت الوطن هو ما يسعى إليه غير طرف خارجي، على ما ورد على لسان رئيس هذا المجلس الذي أعلن في كلمته الافتتاحية: «ان ما يجري على أرض لبنان لم يتسبب هو به بقدر ما تسبب له به سواه من أصحاب الأغراض والمآرب والغايات الذين يعطلون الإرادة الوطنية ويمنعونها من الأعراب عن ذاتها».

2. اعتماد الحوار

4.      لذلك إن الآباء لا يسعهم إلا الاهابة بالمسؤولين للعودة إلى ضمائرهم الوطنية لمحاسبتها محاسبة صادقة مخلصة أمام الله والتاريخ واعتماد الحوار البناء للخروج من هذا المأزق الذي كاد أن يفضي بالجميع إلى الهلكة، رأفة بشعب يزداد عذابًا كل يوم وإنقاذا لوطن يتعرض شيئًا فشيئًا للزوال.

3. الشرعية

5.      وهم يعلنون تكرارا أن الشرعية بما لها من مؤسسات دستورية وعسكرية ووطنية تبقى خشبة الخلاص على الرغم مما أصابها من وهن من جراء الحملات المغرضة التي لا تزال تتعرض لها، والممارسات التي تحاول تعطيلها. وهي التي أثبتت بالأمس وستثبت غدا، لدى استحقاق وطني كبير يتطلع إليه اللبنانيون بكثير من الأمل والريبة، انها السبيل الوحيد للإبقاء على وطن جعلته الأغراض الصغيرة قصبة في مهب الريح.

4. فرز الأرض

6.      وتمسكا بمبدأ العيش المشترك، يرون من واجبهم لفت الأنظار إلى ما يعزز الفرز السكاني وهو، إذا صح التعبير، الفرز الجغرافي المتمثل بانتقال ملكية الأراضي من طائفة إلى طائفة، وفي ذلك ما لا يخفى من نية تقسيم يفتت الوطن ويقضي على ما تميز به لبنان. لذلك أنهم يحذرون من عواقب هذه الظاهرة ويدعون إلى منعها بالوسائل الشرعية الرادعة.

5. المهجرون

7.      وبقاء المهجرين بعيدًا عن قراهم وبيوتهم وممتلكاتهم، من شأنه أيضًا أن يعزز هذين الفرز والتقسيم الذين سيقضيان بالنهاية على الوحدة الوطنية. لذلك ان الآباء يذكرون جميع المسؤولين والمعنيين بقضية المهجرين بالعمل على تيسير عودهم إلى أماكنهم، ولوضع حد لتيار الهجرة الذي سيفرغ البلاد من طاقاتها الإنتاجية، فكرا وصناعة ويدًا عاملة.

6. ويلات الحرب

8.      ان ما تجرّه كل حرب وراءها من مربقات ومفاسد وإجرام ومجازر ومنها في الأمس مجزرة الأبرياء في الوروار، وامتهان للقيم الدينية والأخلاقية والوطنية، وهو ما أصبحنا نسمع به ونراه في مجتمعنا اللبناني، لذلك ان الآباء يدعون أبناءهم وإخوانهم اللبنانيين للتصدي لهذه الموجة من الإباحية والتحلل كالخلاعة والرشوة وانتهاك أبسط حقوق الإنسان، إقتداء بمن سلف من آبائهم وأجدادهم الذين ينقذون نفوسهم وأجيالهم ووطنهم.

ثانيًا: رسالة الكنيسة

1. التربوية

أ) كلفة التعليم

9.      توقف الآباء طويلاً على القضية التربوية التي تعنى بها المدارس الكاثوليكية. وليس بخاف على أحد ان هذه المدارس تواجه صعوبات كبيرة ليس بإمكانها ان تتخطاها، ما لم تلق الدعم اللازم من الحكومة والمؤسسات المعنية بالثقافة والتعليم. ومن النافل القول ان كاهل الآهلين أصبح ينؤ بكلفة المدرسة الخاصة، وان ما يهدر على المدرسة الرسمية من أموال غالبًا ما يذهب دون ان يأتي بالفائدة المرجوة.

ولو أنفق بعضه على الطلاب الذين يؤمون المدرسة الخاصة، وهو حق لهم، على الدولة، لانفرجت الأزمة. وان القرار الذي اتخذته الحكومة وخصت بموجبه هذه المدارس الخاصة بملياري ليرة لبنانية، ربطته بشروط لا تسلم معها كرامة الطالب وذويه ولا يحل المشكلة، بل يوقع البلبلة في صفوف ذوي الطلاب وبينهم وبين المدرسة.

ب) لجنة طوارئ

10.    شعورًا من الآباء بخطورة القضية المدرسية، والثقافة كانت ولا تزال ثروة لبنان الأكيدة ولا ثروة له سواها ـ وتقديرًا منهم لتضحيات أولياء الطلاب والإدارة المدرسية على السواء، أنشأوا لجنة طوارئ قوامها صاحبًا السيادة المطرانان خليل أبي نادر وحبيب باشا والمونسنيور اغناطيوس مارون والأباتي باسيل هاشم والأم لويز ماري شدياق للبحث عن أجدى الطرق لإيجاد مساعدات بما ينبغي من السرعة. والسهر على سلامة التدابير التي تتخذ في كل المستويات بخصوص السياسة التربوية والتطلعات المستقبلية.

ج) التربية الروحة

11.    ان تدني المستوى العلمي في لبنان، وتعذر تقديم الامتحانات في أوقاتها، وعدم تمكن الطلاب من الحصول على الشهادة التي تفتح في وجههم أبواب الجامعة، لما يدعو إلى القلق الشديد. لذلك ان الآباء يناشدون جميع المعنيين للنظر في هذا الأمر الخطير نظرة جدية. ويذكرون كذلك بوجوب تأمين التعليم الديني في المدارس جميعًا، ولا سيما الكاثوليكية منها وغاية الكنيسة من المحافظة عليها تأمين هذه التربية الدينية والأخلاقية والوطنية الصحيحة.

2. الاجتماعية

أ) المساعدات

12.    ان ما يعانيه الشعب اللبناني من جراء غلاء المعيشة وتدهور العملة الوطنية وقلة الدخل الذي يحول بين معظم المواطنين وما يحتاجون إليه من غذاء ودواء وكساء، لما يستدعي بالغ الاهتمام. ولذلك أن الكنيسة، إكليروسًا وشعبًا، تسعى بما لديها من وسائل للتخفيف عن كواهل المحتاجين. وقد حضّت رابطة كاريتاس لبنان التي أنشأها مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك في لبنان على مضاعفة الجهود في سبيل الإسراع إلى مدّ يد المساعدة إلى المحتاجين أيًا تكن انتماءاتهم. وقد عمد هذا المجلس إلى توسيع نطاق إدارة هذه الرابطة لتتمكن من المبادرة إلى الإغاثة بالسرعة المطلوبة.

وان الآباء، إذ يشكرون جميع العاملين في الحقل الاجتماعي ويشجعونهم على المضي في ما يقومون به في هذا المجال من أعمال خيرة، يتمنون عليهم ان ينسقوا في ما بينهم منعًا للهدر وتأمينًا لكل محتاج حاجته.

ب) التقشف

13.    ان التضامن والتكاتف في وجه المحنة والعوز هما أجدى السبل. والإقلاع عن مظاهر البذخ والإنفاق في ما لا طائل تحته دليل على شعور إنساني وطني سليم لا بدّ منه للتغلّب على الأزمة الخانقة. وقول يوحنا الرسول يجب ان يكون قاعدة عمل لكل مسيحي يعي موجبات دينه وإيمانه: «من كان به مقتنى الدنيا ويرى أخاه في فاقة ويمسك عنه مراحمه، فكيف تكون محبة الله فيه» (لو 3/17).

3. الدينية

14.    ان مجمع الأساقفة الروماني الذي انعقد طوال الشهر الفائت أبان دور العلمانيين في الكنيسة وسيصدر قداسة الحبر الأعظم إرشادًا في هذا المعنى يتحدث فيه عن نتيجة هذه الأبحاث التي تمت في روما، وملخصها ان العلمانيين دورًا هامًا قوامه تأدية الشهادة بالمسلك والتصرف للسيد المسيح وتعاليمه، وعملاً بقوله تعالى: «ليضيء نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السماء» (متى 5/16) غير أن بعض أصحاب الغايات الخبيثة ينتهزون الفرصة ليستغلوا فاقة المؤمنين وينحرفوا بهم عن إيمانهم بالسيد المسيح والكنيسة».

وهم غالبًا ما يعمدون إلى إغراء وتشويق عن سبيل مكاسب وأرباح يمنون بها ذوي النيات الطيبة. ان مثل هؤلاء يجب الوقوف منهم موقف الحذر. «يأتون بلباس الحملان وهم ذئاب خاطفة» (متى 7/15). ولا بد هنا من العودة إلى حملة التوعية التي قام بها بعض أعضاء هذا المجلس بشأن شيع من أمثال شهود يهوه والماصونية وما شابهها من منظمات تستدرج المؤمنين إلى ما يفضي بهم إلى التنكر لإيمان آبائهم وأجدادهم. وهل من حاجة إلى القول ان هذا الإيمان هو ما حفظنا ويحفظنا في وجه النكبات وأعطانا من المناعة ما مكّننا من التغلب عليها مهما كانت قاسية.

وانا، نحن في سنة مريمية يوبيلية، ندعو جميع أبنائنا وإخواننا المؤمنين إلى الالتجاء إلى السيدة العذراء طوال هذه السنة على الأخص بالزيارات التقوية إلى مزاراتها ومعابدها ولتجديد الثقة بشفاعتها المشفعة لدى ابنها لكي يسألوها ان تستمد لنا منه تقصير أيام المحنة الطويلة واعادت الطمأنينة إلى قلوب اللبنانيين والسلام إلى ربوع لبنان.

* * * * * *