|
البيان الختامي
للدورة الثالثة والعشرين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان
اللويزة، في
21 تشرين الثاني
1986
مقدّمة
عقد
مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك في لبنان دورته السنوية العادية في دير سيدة
اللويزة للرهبانية المريمية المارونية من 18 الى 21 تشرين الثاني برئاسة غبطة
البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير رئيس المجلس ومشاركة كل من أصحاب الغبطة
مكسيموس الخامس حكيم واغناطيوس أنطون الثاني حايك، ويوحنا بطرس الثامن عشر كسباريان،
وحضور سيادة المطران لوتشيانو أنجيلوني السفير البابوي في لبنان جلسة الافتتاح
ممثلاً قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وأصحاب السيادة المطارنة ورؤساء الرهبانيات.
وتدارسوا المواضيع المدرجة في جدول الأعمال بحسب ترتيبها.
وبعدما استمع آباء المجلس الى التقارير الواردة من هيئاته المختلفة، ومنها ما يركّز
على دور العلمانيين في الكنيسة ويبرز العمل الرسولي في وسط الطلاب الجامعيين وأهمية
نشر الكتاب المقدّس، انصرفوا الى مناقشة الموضوع الأساسي عن الحضور المسيحي في
لبنان حضورًا كنسيًا وتحت عنوان: «كنيسة، هجرة، انتشار». وتطرّقوا الى تفشّي بعض
العقائد الملتوية التي من شأنها زعزعة الايمان في النفوس. وأكبّوا على تحليل
الأوضاع الراهنة ولا سيّما منها آفة الجوع المهدّدة.
وفي
نهاية أعمالهم أصدروا هذا البيان الذي يتناول مجالات ثلاثة: الروحي والاجتماعي
والسياسي.
1. المجال الروحي
يؤكّد المجلس حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أنّ الحضور المسيحي، أنّى كان، هو حضور
كنسي، أي حضور جماعي يقيم للمسيحيين كيانًا معنويًا، فيوليهم حقوقًا ويملي عليهم
واجبات تجاه نفوسهم وإخوانهم في الوطن، ويسعى الى العمل بشريعة العدل والمحبة على
تأمين وحدة المجتمع وضمانها ما تباينت فيه الاتجاهات وتعدّدت المذاهب. هكذا كان هذا
الحضور المسيحي في لبنان ولا يزال. ويثبت ذلك تاريخ هذا الوطن عبر القرون حتى
أيّامنا.
ولهذا الموضوع من الأهمية ما يجعله سبيلاً الى الخلاص من آفات التباعد والتفرقة
لاتّصاله بجذور القضية اللبنانية في الأعماق.
ويشير آباء المجلس الى أنّ هذا الحضور على أرض لبنان كان ويجب أن يكون اليوم، نهج
حياة ذا طابع انساني عميق تتبلور معه القيم الانسانية وينشرها من حواليه ثقافة
وعلمًا وحضارة، تجعل من حقوق الانسان ركائز المجتمع الحيّة وتجسّدها تراثًا روحيًا
قوامه محبّة تقرّب الانسان من أخيه فينطلقان معًا الى الله.
ودأبت الكنيسة على مرّ الزمن في أداء هذه الرسالة واكتسبت بفضلها ثباتًا وصلابة في
الوجود والخدمة، وهذا ما أولاها التقدير والاحترام على رغم ما اعتراها من شوائب
ونالها من افتراءات وتعدّيات وأصابها من أحداث وويلات. لذا يهيب الآباء بالمؤمنين
أن يعوا وجودهم اليوم حضورًا كنسيًا عاشه آباؤهم في الإيمان إكليريكيين وعلمانيين
مع رعاتهم في وحدة تامة في المسيح وانفتاح مخلص على الآخرين.
2. المجال السياسي
من
هذا المنطلق الكنسي الوحدوي يوجّه الآباء، بألم شديد، نداء يستصرخون معه ضمائر
المسؤولين ليترفّعوا عن المصالح الفئوية والمنافع الشخصية والخلافات السياسية.
فلبنان بات مهدّدًا في كيانه والإنسان في وجوده. ويطلبون اليهم التقيّد بسياسة
لبنانية مخلصة ذات ثوابت واضحة.
أ. في السياسة الوطنية
-
وحدة لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات وسيادته واستقلاله مقدسات لا
تمسّ.
-
الإخلاص لهذه المقدسات والجهر بها دونما تحفّظ، دليل مصداقية في
القول والعمل.
-
من منطلقها تفهم الأخوّة بين اللبنانيين والعلاقات الوطيدة
بالمحيط والجوار.
-
في ضوء هذه الثوابت يرى اللبنانيون أنّ القطيعة القائمة بين من
يتحمّلون مسؤوليتهم جريمة في حقّ الوطن والمواطنين، ولذا يناشدهم آباء المجلس
أن يقلعوا عن مثل هذه المواقف المخزية التي تحقر الوطن وتجرّ الويلات على
المواطنين.
ب. في السياسة
الاقتصادية
-
وهم يذكّرون بوجوب اعتماد منهج اقتصادي علمي سليم يجنّب
المواطنين شرّ ما يعانون اليوم من جوع وقلق، ويضع حدّا لما تفشّى في بعض
الأوساط من جشع واحتكار وتلاعب بالأسعار.
-
يندّد آباء المجلس بالمضاربات التي انحدرت بالنقد الوطني الى
هوة فقد معها قوته الشرائية، مهيبين بالمسؤولين ردعها بما ينبغي من الحزم
والشدّة.
-
يطالب آباء المجلس بإعادة هيبة الدولة وسيطرتها على مرافق
البلاد ومرافئها لتتمكّن من تأدية خدمات اجتماعية تكفل سدّ حاجات الشعب وتنعكس
انخفاضًا على أسعار السلع وكلفة المعيشة.
3. المجال الاجتماعي
وتدارس المجلس بعضًا من القضايا الاجتماعية رأى فيها مثلاً حيًّا على أوضاع مأسوية
يعيشها اللبنانيون:
-
إنّ حال المهجّرين، وإن طالت عليها السنون، تبقى وكأنّها في
يومها الأول، ويتطلّع كلّ من هجّر من أرضه وبيته ومن ذاق مرارة البؤس بعد
بحبوحة العيش في أي منطقة من لبنان، الى يوم يعود فيه الى الديار والأرزاق
المفقودة. وما انفكّ آباء المجلس يتحسّسون مشاعر أبنائهم وإخوانهم ويترقّبون
وسائل الانفراج وساعة تحقيقه.
-
التهجير داخل الوطن يؤدّي الى الهجرة بعيدًا عنه، وقد أصبحت هذه
الهجرة نزفًا أوشك أن يكون مميتًا، لا بالنسبة الى الاقتصاد فحسب بل بالنسبة
الى الوطن الذي يحرمه أدمغة تفكّر وسواعد تعمل.
-
أمّا الضائقة المعيشية التي تسبّبت بالغلاء المتصاعد والبطالة
المستشرية، فاستأثرت باهتمام الآباء، لما صار اليه هذا الشعب الأبي من سوء حال.
بعض المقررات
ولمّا كان المجلس قد قرّر عقد جلسة استثنائية في 15 كانون الأول لاستكمال دراسته
شؤونًا إدارية، فهو يعلن الآن ما يأتي:
-
الدعوة الصارخة الى إنهاء الحرب، خصوصًا أنّه قد تبيّن بوضوح
أنّها حرب الآخرين على أرض لبنان.
-
تعزيز مؤسسة كاريتاس لبنان التي أنشأها المجلس جهازًا إنسانيًا
يعمل باسمه وتحت رعايته لمدّ المحتاجين بالمساعدات.
-
حضّ جميع اللبنانيين، في مناسبة الأعياد الميلادية وحلول العام
الجديد، على الامتناع عن المظاهر العالمية في كلّ الاحتفالات الدينية والحفلات
المدنية تضامنًا مع ذوي الفاقة وتكريس ما كان ينفق في هذه الظروف لإغاثة
المحتاجين.
-
خصّ المسؤولين عن المؤسسات الانسانية السخية والقائمين على
المدارس الكاثوليكية الناشطة بالثناء والشكر لما قدّموا ويقدّمون من مساعدات،
ذلك مع توجيه النداء اليهم لمضاعفة جهودهم في تأدية الرسالة.
* * * * * * |