البيان الختامي

للدورة الثانية والعشرين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان

اللويزة، في 10 كانون الأول 1984


مقدّمة

عقد مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك بمشاركة الآباء العامين في لبنان دورته العادية في دير سيدة اللويزة للرهبانية المارونية المريمية. وقد استمرّت من يوم الثلاثاء في الرابع من كانون الأول حتى يوم الاثنين في العاشر منه. وبعد أن استمع إلى تقارير اللجان وعرض الحالة الراهنة في البلاد، توقّف عند موضوع الدورة الأساسي وهو الوجود المسيحي في لبنان ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، وهو وجود جماعي كنسي حضاري يتعدّى الفئوية والسياسة بمعناها الضيّق، وسيصدر لاحقًا وثيقة تتّبع مراحل هذا الوجود وما له من أثر بعيد في تكوين لبنان وتطوّره وازدهاره، لبنان الذي يستحيل أن يستمرّ إن لم يبقَ للمسيحيين فيه ما لهم من حقوق تاريخية.

وممّا تدارسه المجلس وأنعم النظر فيه القضايا التالية:

1. الوطن الممزّق

يشعر البطاركة والمطارنة والآباء العامون بألم عميق أمام هذا التشرذم الذي لا تزال رقعته تتّسع، يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، وقد كان يفترض، بعد هذه المحنة القاسية التي نكبت البلاد والعباد، إن يحزم اللبنانيون أمرهم لمواجهتها موحدي القلوب والصفوف والتغلّب عليها بما يلهمهم إيّاه إيمانهم بربّهم وحبّهم لوطنهم من روح تضامن وتعاضد، رحمة بأنفسهم وبأبنائهم لكيلا يعشوا في هذا الجوّ المشحون بالبغضاء والأحقاد، وهو جوّ لن تغتفر الأجيال الطالعة جريمة من خلقوه وزجّوها فيه. وقد آن للبنانيين أن يعرفوا أنّهم لن يجدوا في مشارق الأرض ومغاربها بلدًا يوفّر ما يوفّره لبنان لهم ولجميع من ستظلّون سماءه من غنى روحي وبحبوحة وحرية كانت ميزته الخاصة.

وأكثر ما يؤلم أن يتمثّل هذا التمزّق على صعيد الحكومة التي تألفت تحت شعار الوحدة الوطنية، فإذا بها لا تجتمع إلاّ بعد كبير جهد لتخرج بقرارات قلّما تكون موحّدة، وغالبًا ما لا تنفذ، وكأنّ بين أعضائها من تناسوا أنّهم يتحمّلون معًا مسؤولية تاريخية في إنقاذ الوطن وتحريره من أيّ احتلال.

2. فعل إيمان بلبنان

رغم جميع النكبات التي توالت على هذا الوطن، ورغم المؤامرات التي حيكت لتهديمه، وقد نجحت في القضاء على الكثير من مرافقه، ورغم تنكّر بعض أبنائه له الذين راحوا يستعينون عليه بمن لا يريدون له الخير، ورغم هذا الانقسام الذي مزّق وحدة المواطنين فقتل بعضهم بعضًا وهجّر بعضهم بعضًا، فأخلّوا بالوعود وحنّثوا بالعهود، وكادوا يثبتون أنّ ما حدث في لبنان إنّما هو حرب أهلية ليس إلاّ. وهذا ما كنّا ندأب في دحضه، رغم كلّ هذا، إنّ أعضاء المجلس لا يزالون يؤمنون بلبنان وطنًا تأصّلت فيه جذور المسيحية، منذ أقدم العصور، وقد سقى أبناؤها تربته، في كلّ حقبة مظلمة من حقبات تاريخه، بدمائهم التي سفكوها رخيصة للإبقاء على ما يمثّل من قيم دينية وحضارية وإنسانية كانوا أوّل من وضع حجرًا في صرحها الشامخ على مرّ التاريخ. وهم يؤمنون به وطنًا لسواهم من اللبنانيين، على قدر ما هو لهم، على قدم المساواة، وفي جوّ من الحرية المسؤولة والاحترام المتبادل والعدالة الشاملة، على أن يعبد كلّ لبناني ربّه حسبما يمليه عليه ضميره، وأن يمدّ يد الصداقة والتعاون لأخيه اللبناني ليعملا معًا على إعادة بناء ما تهدّم واستعادة ما هدر، وترميم ما تصدّع على كلّ صعيد.

3. أسباب القلق

غير أنّ هناك ما يقلق أعضاء المجلس مثلما يقلق أبناءهم المسيحيين، وقد تعدّدت المظاهر وتنوّعت الأسباب، منها:

1.     ما ظهر في مؤتمري جنيف ولوزان والخلوات التي عقبتهما من ميل إلى المساس بمبادئ يعتبرها المسيحيون مسلّمات تاريخية تحفظ لهم وجودهم ودورهم وطنيًا وسياسيًا وحضاريًا على ما ورد في "التطلّعات اللبنانية" التي أصدرها المجلس في دورته الأخيرة السنة الفائتة. ولذلك فهم يراقبون باهتمام بالغ ما تتدارسه اللجان التي شكّلت حديثًا بشأن الدستور والجنسية والمراسيم، ويأبون أن تخرج عن الخطّ الديمقراطي الذي قامت عليه أسس العيش المسيحي الإسلامي المشترك في لبنان، وسيتصدّى المجلس بكلّ الوسائل لأية محاولة تمسّ بالحريّات العامة وحقوق المسيحيين.

2.     بروز موجة طاغية من التعصّب الديني المستورد تبدو كأنّها تتبرم بكلّ ما هو غير مسلم، عقيدة وزيًّا وشعائر ومظاهر، وهذه الظاهرة يأباها، فيما تعلم، إخواننا المسلمون اللبنانيون الأصيلون الذي يرغبون كإخوانهم المسيحيين في العيش المشترك الهادئ الآمن.

وأعضاء المجلس يستغربون في هذا المجال أن توصف مساعي قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بالمشبوهة، فيما يعرف العالم أجمع ما خصّ به لبنان من عطف ومساعدة كانت ولا تزال أقوى دعامة لبقائه سيّدًا حرًّا مستقلاًّ وأرض تلاق بين المسيحية والإسلام. وهذا ما اتّضح من الرسائل الثلاث التي وجّهها مؤخّرًا قداسته إلى نيافة رئيس هذا المجلس وإلى اللبنانيين وأساقفة العالم الكاثوليكي.

وقد آلمهم أشدّ الألم، لا بل أثار سخطهم واستدعى استنكارهم الشديد، أن يستمرّ إنزال الأجراس من قبابها وهدم الأديار والكنائس والمعابد، ومنها بالأمس القريب كنيستا الناعمة وعين كسور وإزالة معالمها وهذا ما يرفضونه كلّ الرفض ولاسيّما إن لبنان معروف بتنوّع أديانه وثقافاته وتعانق القباب والمآذن تحت سمائه وامتزاج زغردة الأجراس بأصوات المؤذنين فيه تمجيدًا للّه وتسبحة بحمده. وحيال هذا الواقع الأليم لا يمكنهم إلاّ أن يتساءلوا بمرارة: ترى هل المقصود إزالة كلّ مظهر مسيحي ونسف جسور العيش المشترك إلى غير رجعة؟

3.     قضية المهجّرين على وجه الإجمال، وعلى الأخص مهجّري الجبل الذين لا يزالون دون مأوى لائق، وهم معرضون لأذى البرد، وقد حلّ فصل الشتاء، إضافة إلى ما يشكونه من سوء حال على كلّ صعيد.

إنّ أعضاء المجلس، إذ يرفضون أن تخلو منطقة من وجود أبنائهم فيها وهم ممّن بنوها وعملوا على ازدهارها، يطالبون الدولة بإلحاح بأن تنشئ لهم مجلسًا يعنى بتسريع إرجاعهم إلى مدنهم وقراهم ويهتمّ بشؤونهم. فيخف لديهم الشعور بالإهمال الذي تقابلهم به دولة كانوا ولا يزالون يتفيّأون علمها ولهم عليها حقّ الحماية والرعاية.

وقد بذلت الكنيسة ما باستطاعتها لمساعدتهم ومدّت رابطة كاريتاس لبنان المنبثقة عن هذا المجلس بما أمكن من وسائل وكلّفتها تأمين مسكن لأشدّهم بؤسًا يقيهم غوائل البرد والإهمال. وهي تدعو صاحب الفخامة رئيس الجمهورية وصاحبي الدولة رئيس مجلس النواب ورئيس الوزارة إلى إعارة قضيتهم ما تستحق من اهتمام عاجل وتخصيص ميزانية بهم لا تقلّ عن مائة مليون ليرة في مرحلة أولى، كما تدعو جميع القادرين إلى البذل في هذا السبيل لأنه لا يجوز أن تولي الدولة كلّ اهتمامها فئة من أبنائها المحتاجين وتنسى أو تتناسى سواهم في ما بقي من مناطق لبنانية.

4.     مأساة المخطوفين وذويهم، وهم يعدّون بالمئات ولا يزال مصيرهم مجهولاً جاءت لتزيد في آلام اللبنانيين بعد ما أوقعت الحروب المتتالية، وعلى الأخصّ حرب الجبل، في صفوفهم، آلافًا من الضحايا الغالية. ويجب وضع حدّ نهائي بأقصى السرعة لهذه المأساة، تحقيقًا للوعود المقطوعة مرارًا وتكرارًا.

4. إنّما الأمم الأخلاق

قد سبق لأعضاء المجلس أن ندّدوا بهذه الموجة من الإباحية التي ظهرت هنا وهناك صورًا تتصدّر مداخل دور السينما والساحات العامة وفي الأفلام التلفزيونية التي تعرض بواسطة الفيديو في البيوت فتنتهك حرمتها وتقضي على ما يجب أن يسودها من جوّ تربوي صالح سليم. وتتمثّل هذه الموجة أيضًا بالألعاب المحرمة كالقمار وما شابه وبالمخدرات وما سوى ذلك ممّا يفسد الأخلاق لدى الفتيان والفتيات ويجعلهم فريسة للضياع. وهم يهيبون بالمسؤولين الحفاظ على الأخلاق العامة بأبنائهم أن يتنبّهوا لهذه الشرور وينبّهوا إلى ضرورة الابتعاد عنها. ويدعون على الأخصّ المتاجرين بلقمة الفقير عن طريق التلاعب بالأسعار والمضاربة بالعملات، جنيًا لأرباح ظالمة، إلى اتّقاء الله والإقلاع عن هذه التجارة المخزية ويحمدون الله على أنّ هناك فئات من الشبّان والشابات يتحسّسون مسؤولياتهم ويعملون على إعلاء شأن الأخلاق بما يعطون من مثل طيب في التصرّف الحميد ورصانة المسلك والتمسّك بأهداب الدين. وهذا ما يبشر بنهضة روحية هي خير جواب على نداء الأمم المتّحدة والكنيسة اللتين أعلنتا السنة المقبلة سنة الشباب العالمية.

5. الالتفاف حول الشرعية

وإن مجلس البطاركة والمطارنة إذ يدعو جميع اللبنانيين إلى الالتفاف حول الشرعية، لأنها خشبة الخلاص من هذه الفوضى الأمنية التي تقضّ المضاجع عليهم جميعًا وتشلّ الحركة الاقتصادية المهدّدة بأفدح الخسائر، ويؤكّد أنّه سيتابع المساعي والاتّصالات بجميع المسؤولين لتحقيق هذه الأهداف، ويسأل الله أن يلهم اللبنانيين الحكمة والسداد للخروج بوطنهم من محنته وتحريره من كلّ احتلال وإعادة بنائه على قواعد سليمة تضمن لجميع أبنائه العيش الحرّ الكريم وتنشر في قلوبهم الطمأنينة وفي ربوعه السلام.

وينتهزون فرصة الأعياد الميلادية المجيدة ليعربوا لأبنائهم ولجميع اللبنانيين عن عواطفهم الأبوية وليطلبوا إليهم أن يضاعفوا الصلوات إلى الله لكي يعيد عليهم أعيادًا عديدة تحمل إليهم ما تعوّدت الأعياد أن تحمله من بهجة وأفراح.

* * * * * *