البيان الختامي

للدورة الحادية والعشرين لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان

الكسليك، في 1 كانون الأول 1983


مقدّمة

عقد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان دورته العادية لسنة في جامعة الروح القدس ـ الكسليك، من الثالث والعشرين من تشرين الثاني إلى الأول من كانون الأول سنة 1983. وقد استهل الدورة غبطة البطريرك الكاردينال مار أنطونيوس بطرس خريش، رئيس المجلس بخطاب أيّده أعضاء المجلس وتبنّوا مضمونه. وتلاه خطاب سيادة السفير البابوي لوتشيانو أنجيلوني الذي كلّفه المجلس أن ينقل إلى قداسة الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني شكره على اهتمامه الحثيث بقضيّة لبنان، وتقديره لما يقوم به قداسته من مساع على المستوى الدولي لإنقاذه من محنته.

1. مذكرات وتقارير

وقد تدارس المجلس بدقّة وعناية ما ورد عليه من مذكّرات وتقارير بشأن الأوضاع اللبنانية الراهنة، ولاسيّما ما يتعلّق منها بمناطق الشوف وعاليه والمتن الأعلى وطرابلس والجنوب والبقاع.

وبعد أن استمع إلى تقارير أمينه العام ومختلف اللجان المنبثقة عنه، توقّف المجلس عند ما أورده كل من السادة المطارنة عن المناطق المنكوبة من أبرشياتهم وعن أوضاع المهجّرين من مختلف الأبرشيات وما يعانون من قهر وحرمان.

2. على الساحة اللبنانية

إنّ هذا المجلس، وقد استعرض بدقّة تفاصيل ما يجري على الساحة اللبنانية، لا يسعه في هذه الظروف العصيبة، إلاّ أن يدين بشدّة ما يتعرّض الوطن والمواطنون له من تدمير وتخريب واقتتال، تقوم به جهات ودول غريبة، متستّرة وراء فئة من المواطنين. وأفدح ما في الأمر أن الاعتداءات على حياة الناس وأرزاقهم لم تقتصر على المتقاتلين بل تخطتهم إلى الأبرياء من أبناء الشعب: فالأحياء السكنيّة تقصف بلا هوادة، والحصار يفرض على مناطق واسعة من البلاد، والخطف يتناول المواطنين في منازلهم وعلى الطرقات. وها هي بلدة دير القمر تعاني ما عانته زحلة من قبلها، من حصار وقطع طرقات وقصف وقنص، فضلاّ عن الحرمان من مقوّمات الحياة، من غذاء وكساء ووقود ودواء. أما الشاحنات التي تنقل على المحاصرين ما يفتقدونه من إمدادات، فغالبًا ما تمنع كلها أو بعضها من الوصول إلى البلدة المنكوبة، بحيث أصبح أهلها عرضة للجوع والبرد والموت وليس يسمع أو يستجيب.

أما المجازر البشرية التي وقعت في الجبل والشوف على مدى أيام طويلة وأسابيع، فقد دلّت على أحقاد دفينة ولا مبرّر لها. لقد كان الناس يذبحون كالمواشي، والمنازل تحرق بعد أن تنهب، والكنائس والأديار تنتهك، والمؤسسات الاقتصادية والمدارس تدمّر. ومما يحزّ في النفس ان هذه المآسي لم تهز مشاعر العالم المتحضر. وكنا نأمل من القوات المتعددة الجنسيات، التي قدّمت الكثير من التضحيات والضحايا الغالية في سبيل لبنان أن تكون أكثر فاعلية في مثل هذه الحالات المفجعة، ولاسيما أنها تمثّل دولاً تقدّس الديمقراطية وحقوق الإنسان.

3. نداء إلى الدول والمتقاتلين في الجبل

ان هذا المجلس يتوّجه على الدول المتصارعة على أرض لبنان، طالبًا إليها، باسم الشرف والإنسانية، ان ترفع اليد عن هذا الوطن الجريح الذي شبع اقتتالاً وتخريبًا، كما يتوجّه على المتقاتلين اللبنانيين جميعًا، الذين نشأ آباؤهم وأجدادهم على حب لبنان، وأدوا قسطهم في صنع حضارته وازدهاره ونعموا بأرضه وسمائه، ان يكّفوا عن تخريبه والعبث بمقدراته، لئلا تحلّ عليهم لعنة الآباء والأجداد، وان يكفوا عن إزهاق أرواح إخوانهم، لان حياة الناس ملك لله مبدعهم وكل اعتداء عليها اعتداء على حقّه، عزّ وجلّ. والويل لمن سيمثل أمام ربّه ملطّخ اليدين بدم الأبرياء.

4. والشمال والبقاع

وكيف لا تدمي قلوبنا الأحداث الأليمة الجارية في الشمال، لاسيما في طرابلس وضواحيها، حيث يسقط المواطنون الأبرياء تحت وطأة القصف والقنص، وتدمر المدينة وما حفلت به من مؤسسات وبيوت متأصلة الجذور في عاصمة الشمال. فتشرّد الاهلون وهم يعانون ما يعانيه سائر المهجرين في كل مكان. ويتمنّى المجلس على المسؤولين ان يبذلوا أقصى الجهود للحيلولة دون استئناف القتال هناك ولا يزال البقاع يعاني من وطأة ما يشبه الحصار ويعيش أهله في قلق دائم.

5. والجنوب

وهل ننسى الجنوب وقد نال قسطه الكبير، ولا يزال، من حصاد الموت والدمار ومن الحصار والقهر والتهجير. وها هم مهجرون يعانون الحرمان في كل مكان والكثيرون ممن بقوا في مدنهم وضياعهم صامدين أمام الكارثة.

6. مؤتمر جنيف

لقد علّق اللبنانيون آمالهم على اجتماعات جنيف وما تمّ فيها من تقارب ومصالحة بين مختلف فئاتهم، وظنّوا ان الروح الطيبة التي تجلّت فيها ستنتقل على المواطنين جميعًا وإلى المقاتلين على الساحة اللبنانية وان المسؤولين عنهم سيصدرون إليهم أوامرهم الجازمة بالكفّ نهائيًا عن التخريب والاقتتال، فكانت خيبة الأمل مرّة، وتحوّلت إلى غضبة عارمة، عندما رأوا ان القتال يتواصل والموت مستمر في نشر ظلاله فوق ربوع هذا الوطن المنكوب. وها هي اتفاقات وقف النار المتتالية لا تصمد إلا بضع ساعات أو أحيانًا بضع دقائق. وها هي اللجنة الأمنية التي شكّلتها الدولة تكاد لا توقف قصفًا حتى يتبعه قصف أشدّ وأدهى.

ان هذا المجلس قد تدارس النقاط التي أقرتها أعمال اللجنة المختصة كجدول أعمال للدورة الثانية لمؤتمر جنيف، وهو يأمل ان تنعقد هذه الدورة في أجواء تحمل على التفاؤل بإنهاء محنة لبنان.

7. الحكم والحكومة

وان كان أعضاء المجلس يقدّرون لفخامة رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميل جهوده الحثيثة لإنقاذ لبنان ويتمنون له النجاح المرتجى من رحلته الحالية، كما يقدّرون لدولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس الوزراء ولسائر المسؤولين ما يقومون به من مساع حميدة في هذا السبيل، فهم لا يزالون ينتظرون، مع اللبنانيين الذين اكتووا بنار الحرب ونفذ صبرهم، المزيد من الاهتمام، لتوفير أجواء الأمن والاستقرار في البلاد وإجلاء كل القوات الأجنبية غير الشرعية وتأمين فتح المدارس أمام التلامذة، ضنًا بوقت ثمين يضيع عليهم، والتعويض على هذه المدارس لتمكينها من الاستمرار في رسالتها وفسح المجال أمام القوى الحية في لبنان للانصراف إلى العمل المنتج والمساهمة في إعادة البناء.

8. المجلس النيابي

والمسؤولية التي تترتّب، في هذه الأيام التاريخية العصيبة، على كل من يحمل بين جناحيه حسًّا وطنيًا، هي مسؤولية كبيرة، ولاسيما إذا كان ممن هم في مركز الحكم والقرار والتشريع. ولقد سبق للمجلس النيابي، تؤازره الحكومة، ان اتخذ مواقف وطنية مشكورة، فعلى أعضائه ان يضاعفوا العمل للمساعدة على تقوية الجيش عدة وعددًا، ولاسيما أنه قد اثبت جدارته وقدّم تضحيات كبيرة، قيامًا بواجبه الوطني، ليتمكّن من توطيد الأمن في جميع أنحاء البلاد وبسط سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، فينفسح المجال لجلاء كل القوات غير اللبنانية وغير الشرعية، وحصر حمل السلاح بالجيش وقوى الأمن. ويرجى من السادة النواب ان يتضافروا، كل مجموعة في منطقتها، رغم ما بينهم من اتجاهات سياسية متبانية، على إنقاذ مواطنيهم مما يتخبطون فيه من محن.

9. المطالب

وهم يطالبون:

أولاً، بشأن أحداث الشوف وعاليه والمتن الأعلى:

‌أ.   بتحقيق دولي لكشف ما جرى من مجازر ومخاز في تلك المناطق.

‌ب.  بإيواء المهجرين والمشردين ومدّهم بالحاجات الحياتية وتوفير أسباب العيش عن طريق إيجاد عمل لهم، وهذا من أبسط واجبات الدولة تجاه رعاياها.

‌ج.  بالسعي إلى تسهيل عودتهم على قراهم والتعويض عليهم عن طريق إنشاء مجلس خاص بمنطقتهم.

ثانيًا، بشأن محاصري دير القمر

‌أ.   بالعمل على منع القنص والقصف عنهم.

‌ب.  بإيصال المؤن إليهم ووسائل التدفئة والألبسة والأدوية.

‌ج.  بالسعي الحثيث لرفع الحصار عنهم وقد باقوا يشعرون أنهم أصبحوا رهائن وموضوع مساومات.

ثالثًا، بشأن التدهور الأمني المستمر

‌أ.  بمبادرة المسؤولين عن التفجيرات الأمنية إلى إصدار الأوامر إلى المقاتلين بالكف عن لعبة الموت التي تودي كل يوم بعشرات المواطنين الأبرياء وغالبيتهم من الكادحين في سبيل تأمين لقمة العيش.

‌ب.  بالإفراج عن جميع المحتجزين والمخطوفين في أقرب وقت والتوقف عن الخطف.

10. العودة إلى الله والضمائر

ويهيب هذا المجلس بجميع اللبنانيين أن يعودوا إلى ضمائرهم بخوف الله، إلا ربّهم بالتوبة، وان يتمسكوا بالأصالة اللبنانية والقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، ويحترموا مواطنيهم في أرواحهم وأرزاقهم وكرامتهم. ويتكاتفوا، إنقاذًا لوطنهم مما صار إليه من خراب. وليعلموا يقينًا أنه، في النهاية، لا ينقذ لبنان إلا اللبنانيون بتضامنهم وتفاهمهم واتحادهم وإيمانهم الصادق بوطنهم.

وهم يدعون جميع اللبنانيين أيضًا إلى رفع الصلوات حرّى إلى الله تعالى لكي يقي لبنان المزيد من الدمار ويعيد المحبة إلى قلوب أبنائه والسلام إلى كل ربوعه.

* * * * * *