|
البيان الختامي
للدورة
الثامنة عشرة
لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان
اللويزة، في
24 تشرين الثاني 1981
في السادس عشر من شهر
تشرين الثاني 1981، بدأ مجلس البطاركة والمطارنة الكاثوليك أعمال دورته العادية
السنويّة، في دير سيّدة اللويزه (ذوق مصبح) للرهبانية المارونية المريمية، برئاسة
غبطة البطريرك أنطونيوس بطرس خريش ومشاركة صاحبي الغبطة مكسيموس الخامس حكيم
واغناطيوس أنطون الثاني حايك ومطارنة مختلف الطوائف الكاثوليكية في لبنان. واشترك
أيضًا في الأعمال، بدعوة من رئاسة المجلس، حضرات الآباء العامين للرهبانيات.
وافتتح غبطة البطريرك
خريش الدورة بخطاب توقّف فيه على الأحداث الأليمة التي لا تزال تدعو إلى القلق،
وعلى التدهور الأخلاقي الذي ينذر باضطرابات اجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة،
ولكنّه حذّر، في الوقت نفسه، من الاستسلام للقنوط واليأس نظرًا لما أخذت القضية
اللبنانية تلقاه من تفهم في المحافل الكنسيّة والدوليّة، كما ظهر ذلك لغبطته، لدى
مقابلته قداسة البابا وفي الولايات المتحدة الأميركيّة وفي جامعة الأمم المتحدّة.
ووجّه غبطته نداء إلى اللبنانيين ليتحلّوا بالجرأة ويتصارحوا بالحقيقة، بعيدًا عن
تبادل التحديات ويواجهوا معًا تحدّي التاريخ.
وفي جلسة الافتتاح،
ألقى سيادة السفير البابوي، المطران كارلو فورنو، كلمة أعرب فيها مجدّدًا عن اهتمام
قداسة البابا بلبنان ومحبته لجميع أبنائه.
1.
برنامج الدورة
وكان على المجلس أن
يدرس شؤون العيلة في لبنان ويعالج القضايا الراهنة التي تهمّ الكنيسة والوطن. لكنّه
أرجأ البحث في الموضوع الأول إلى موعد آخر، لتعذّر الإعداد له في الوقت المعيّن
بسبب الأحداث الأمنيّة، فاكتفى بدرس الأحوال والمشاكل الراهنة، من خلال بيانات أدلى
بها أعضاؤه وتقارير أعدّتها لجانه المختلفة.
2.
زيارة صاحبي الغبطة خريش وحكيم إلى روما فالولايات المتحدة
أ. أطلع غبطة البطريرك
خريش أعضاء المجلس على النشاطات التي قام بها في أثناء زيارته إلى الولايات
المتحدة، وكان، قبل البدء بها، قد قابل قداسة البابا الحبر الأعظم البابا يوحنا
بولس الثاني فعرض له أهدافها التي باركها قداسته، وعمل بما لديه من وسائل على
إنجاحها. ودامت الزيارة قرابة الشهرين، بدء من أوائل أيلول حتى أوائل تشرين الثاني
من السنة الحالية. وقد جاءت تلبية لدعوة تلقّاها من نيافة الكردينال تيرانس كوك،
رئيس أساقفة نيويورك، ومن مجلس أساقفة الولايات المتحدة: وسيادة المطران فرنسيس
زايك، مطران الموارنة في الولايات المتحدة.
وانقسمت إلى قسمين:
أحدهما رسمي والثاني رعوي. وتركّز القسم الأول على زيارة الرسميين، من فخامة رئيس
الولايات المتحدة السيد رونالد ريغن، إلى أمين عام الأمم المتحدة السيد كورت
فالديهايم، إلى بعض الوزراء وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ممن يسهمون في صنع
القرارات في ذلك البلد، فضلاً عن لقائه رجال السلك الديبلوماسي وقد حدّثهم عن
القضية اللبنانية وأسبابها ونتائجها وأبعادها على كل الأصعدة: المحلية والإقليمية
والدولية. وشدّد، في المذّكرة التي قدّمها إلى رئيس البلاد، على ضرورة تفهّم أبعاد
القضية على وجهها الصحيح ومعالجتها بما يقتضيه من الجدّية والشرعة، بعد أن نفذت
طاقة الشعب اللبناني على الاحتمال. وهذا ما ردّده على مسامع أعضاء اللجنة
التنفيذيّة لمجلس الأساقفة الكاثوليك، ومجلس الكنائس في الولايات المتحدة. وكان
لكلامه وقعه الطيّب لدى جميع المراجع الرسميّة والدينية وقوبل بوعود يرجى ألاّ يكون
موعد تحقيقها بعيدًا. وقام القسم الثاني من الزيارة على تفقّد مجموعات عدّة من
المغتربين، ولا سيّما الرعايا المارونية في مختلف الولايات المتحدّة. وقابل في
جولته عددًا من الحكام والمسؤولين فيها وبسط لهم القضية اللبنانية في واقعها
الصحيح، مثلما عقد سبعة مؤتمرات صحفية توجّه فيها إلى الرأي العام الأميركي وشرح له
مضامينها.
ب. وأطلع غبطة البطريرك
حكيم بدوره أعضاء المجلس على وقائع الرحلة التي قام بها إلى أميركا الشمالية في
مطلع الصيف الفائت والتي استمرّت قرابة شهرين، وذلك لتفقد أحوال المغتربين وترؤس
مؤتمر عقده، في الولايات المتحدة، أبناء طائفته المتوافدون من مختلف أنحائها.
وانتهز الفرصة لمقابلة كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومجموعات من
رجال الفكر وأهل الرأي الذين حدّثهم عن قضيّة السلام في الشرق الأوسط على وجه
الإجمال، وعن قضية زحله على وجه الخصوص، وناشدهم المساعدة على إعادة الهدوء إلى
منطقة أصبح أبناؤها متعطشين إلى الطمأنينة والسلام.
3.
شؤون كنسية
أ.
التعليم الديني
بعد الاستماع إلى تقرير
لجنة التعليم الديني في المدارس الرسمية والخاصة شدّد المجلس على ضرورة تطبيق
المناهج المقرّرة، ونشر الكتب الموضوعة وفقًا لهذه المناهج بإشراف السلطة المسؤولة،
وإسهام الجميع في إنجاز إحصاءات وافية، وتعميم الوسائل التربوية السمعية والبصرية،
وتأمين النفقات اللازمة. ويعتبر المجلس أنّه من واجب الدولة تحمّل القسط الأكبر من
نفقات هذا التعليم، تدليلاً منها على شعورها بالمسؤولية في مجال تحصين النفوس
الفتية بالمبادئ الدينية والخلقية التي بدونها لا يستقيم بناء الأوطان.
ب.
الإعلام
وأثنى المجلس على
نشاطات لجنة الإعلام في نشرها الوثائق الكنسيّة والبابوية، وتنظيمها البرامج
الدينية في الإذاعة والتلفزيون، وتعاونها مع الصحافة ووكالات الأنباء المحلية
والعالمية لنشر المعلومات المتعلقة بالنشاطات الدينية في لبنان.
ج.
رسالة العلمانيين
وافق المجلس على درس
مشروع، قدّمته لجنة رسالة العلمانيين، يقضي بتشييد مركز يفي بحاجات النشاطات
الرسولية المنوعة، وشكّل هيئة لهذه الهيئة، بعد أن أبدى ارتياحه للمؤتمر الذي عقدته
اللجنة بغية إشراك العلمانيين في رسالة الكنيسة وتحمّل مسؤولياتها.
د.
اللبنانيون في العالم
كما أعرب المجلس عن
تقديره نشاطات اللجنة التي تهتم بشؤون أبناء الكنائس الشرقيّة الكاثوليكية في
العالم، لإقامة أوثق الروابط بين أبناء لبنان المنتشرين تحت كل أسماء وكنائسهم
البطريركية، وعن تشجيعهم للقيام بزيارات تتيح لهم التعرّف إلى وطن آبائهم وتراثه
العريق.
هـ.
كاريتاس لبنان
أعرب المجلس لرابطة
كاريتاس لبنان عن تقديره الجهود التي بذلتها إبّان الأحداث التي ألّمت بالمناطق
اللبنانية المختلفة ولا سيّما مدينة زحله ومنطقة الجنوب. وقد كلّف اللجنة الخاصة
إعادة النظر في قانون هذه الرابطة الداخلي، بغية الإفساح في المجال أمامها لبذل
المزيد من الجهود في حقل عملها.
4.
القضايا المدرسيّة
توقّف المجلس طويلاً
على شؤون التربية،
×
فأسف
للاضرار التي أصابت مؤسسات لها في خدمة الناشئة الفضل الكبير، وللذعر الذي أصاب
الأطفال والفتيان والفتيات من جرّاء القصف المروّع، إبّان الأحداث الأخيرة، في
بيروت وضواحيها وزحله وجوارها وجميع أنحاء الجنوب.
×
ولكنّه امتدح، في الوقت نفسه، إدارات الجامعات والمدارس وأفراد الهيئة التعليميّة
لما ارتضت من تضحيات بغية تأمين سنة دراسية كاملة، وإنجاز المنهج المقرّر، وإيواء
التلامذة في أماكن غير تلك التي كانوا يشغلونها، بعد أن أصيبت هذه بأضرار فادحة
أدّت إلى تهدّم بعضها.
×
وأبدى
ارتياحه إلى الجهود التي بذلها معالي وزير التربية وموظفو الوزارة الإداريون
والفنيون، بالتعاون مع إدارات المدارس، لإجراء الامتحانات الرسميّة والحفاظ على
المستوى العلمي للشهادات اللبنانية.
× وخصّ
المجلس الشؤون المدرسيّة من ناحيتيها الاجتماعية والاقتصادية ببحث مستفيض وأبدى
بصددها ما يلي:
-
يتمنّى المجلس على من يتصدّى لقضايا التعليم والتربية أن يكون عارفًا حق المعرفة
واقعها ومشاكلها، ويعالجها بما يستحق من الجدّية والرصانة، وأن يدرك جميع المسؤولين
أنّ القضيّة المدرسيّة ليست قضية أقساط بل قضية كلفة التعليم، على وجه الإجمال. وقد
دلّت الإحصاءات أنّ هذه الكلفة بلغت، في المدارس الرسمية وعن الطالب الواحد، ضعفها
في المدارس الخاصة. وهذا برهان على مدى هدر الأموال العامة وعلى الإجحاف الكبير
اللاحق بأولياء التلامذة في المدارس الخاصة الذين يكرهون على دفع ضريبة التعليم
مرتين.
-
ويرى
أنّ الحل يبدأ عندما يشرع بتنفيذ المادة 49 من المرسوم الاشتراعي رقم 134 الصادر
منذ حوالي عشرين سنة، والقاضي بمجانية التعليم الابتدائي لجميع الأولاد اللبنانيين
على السواء. وهذا ما يفسح في المجال لوضع كل المواطنين تدريجيًا على قدم المساواة
في ما يخص أعباء التعليم والتربية، عن طريق اعتماد ضمان يشمل جميع مراحل الدراسة.
×
ويناشد المجلس أرباب المدارس الخاصة، ولا سيّما الكاثوليكية، وجوب اعتماد عصر
النفقات تخفيفًا عن كواهل أولياء التلامذة، مع المحافظة على المستوى العلمي وتأمين
تطوير المؤسسات، وذلك بتقيّدهم، من وجه الدّقة والضبط، بأحكام القوانين المستحدثة
في هذا المجال، وبتوجيهات هذا المجلس الرامية إلى إشاعة جوّ من الثقة المتبادلة بين
جميع أعضاء الأسرة المدرسية.
5.
الشؤون الوطنيّة
أمّا على الصعيد
الوطني، فقد تبنّى المجلس ما جاء في خطاب غبطة رئيسه عن الحالة الراهنة التي تبعث
على القلق من جرّاء العنف السائد في لبنان والعالم، ومن الانهيار الأخلاقي الذي
أفسد العلاقة بين المواطنين ونشر الفساد في المرافق العامة والوظيفة، وغالبًا ما
حال دون وصول المواطنين إلى حقوقهم المشروعة.
وتوقّف عند مشكلة
الهجرة والنزوح بين المناطق وإلى الخارج، ودرس الوسائل الآئلة إلى الحدّ منها، ودعا
الجميع إلى الإسهام في إنماء المناطق النائية ليبقى أبناؤها في أرضهم يعملون على
إحياء مرافقها بنشاط ووفاق وتعاون مخلص.
وأعضاء المجلس، إذ
يدعون إلى العمل بوحي نداء غبطته في سبيل الوفاق الوطني وبعث الثقة في نفوس
اللبنانيين يغد أفضل، يهيبون بجميع المواطنين أن يعودوا إلى الله والضمير والبحث
بإخلاص عما يخرج الوطن من محنته، وذلك عن طريق مواجهة الحقيقة ولو أليمة، والمصارحة
بها. لقد أصبح كاهل اللبناني ينوء بتحمّل تكاليف الحياة: فارتفاع الأسعار جنوني،
وأزمة السكن خانقة، وغلاء الدواء فاحش، وأعباء الاستشفاء لا تطاق.
وهذه ساعة الحقيقة
بالنسبة إلى اللبنانيين، وهي ساعة المصير، التي يجب فيها تناسي الخصوصيات ونبذ
الأنانيات والالتفاف المخلص حول الوطن ومؤسساته، والإقلاع عن السياسة السلبية
الرافضة التي لا جدوى منها ـ وما كانت السلبية طريقًا إلى البناء ـ واعتماد سياسة
إيجابية تعمل على توضيح مفهوم الوطن والجيش والديموقراطية والالتزامات الإقليمية
والدولية.
وفي مثل هذه الإيجابية،
وفي حوار، شعاره: «الحقيقة، هي التي تحرّر لبنان مجال لإدراك الآمال. لا سيّما أنّ
موعد الانتخابات لرئاسة الجمهورية قد أصبح وشيكًا، وهو حدث لا بد أن يتم في جوّ من
الحرية والديموقراطية الصحيحة، بما يترتّب عليه من مسؤوليات وطنيّة جسام.
وإنّ أعضاء المجلس
ليدعون أبناءهم، وستظل عليهم، عمّا قريب، الأعياد الميلاديّة المجيدة، أن يستعدّوا
لها بالصلاة وأعمال البرّ وبالعودة المخلصة إلى مخافة الله للخروج من المحنة. وما
خيّب الله، يومًا، من يتكّلون عليه.
* * * * * * |